في الحاجة الى مفهمة وربط منطقي:
أخطر شيء هو التفكك.فهو انحلال،غياب تماسك. عدم قدرة على ربط الاسباب بالنتائج،على عقلنة الأمور والعمليات وسيروراتها،بل حتى عناصرها وعلاقاتها النسقية.
لعل هذا وضع المخلوقات غير العاقلة،فكيف يعقل ان يكون وضع للعاقلة.
أما المفهمة،فهي الوعاء الواعي للأشياء والكلمات،للأقوال والأفعال.المفهمة، انتقاء فهم مناسب،حمولة دلالية واصطلاحية ولغوية كأنها تخليطة مختبرية لأجل إنتاج دواء معين ومحدد.
في غياب هذه المفهمة،وهذا الربط المنطقي،تكون في عالم متخيل،وهمي،كالطفل الصغير الذي يختلق عوالمه، فتجده يجمع اشياء لا وظيفة لها إلا في خياله ولعبه،ويصنع منها عالما لا يفهمه إلا هو،لكنه بعيد عن الواقع.أو يكون كصاحب الحلقة الذي يبيع أعشابا فيخلطها لأجل الرواج والبيع بدون تقدير......
في غياب هذه المفهمة وهذا الربط المنطقي، نكون كالمواطن العادي الذي لا يفهم وظيفة الآلة فيسميها " الهمهامة" أو الدكاكة" او غيرها من التسميات المستقاة من تاريخ لغته البسيط،فكيف يستطيع استيعاب المركب؟
مناسبة هذا الكلام،هو هذا المسمى إصلاحا.تعقدت زوايا طرحه وفهمه وتطبيقه.أصبح عند المخول لهم القيام به، كلعب طفولي أو كإخراج سينمائي.ذلك لأن جانب الخيال طاغ على وعيه،بينما جانب الواقع الموضوعي غريب عن نظرته ومجال عمله.
في الإخراج السينمائي، يتم الرجوع بالأحداث إلى الوراء،إلى الماضي،كما يتم القفز إلى المستقبل،وذلك في نسقية فنية درامية هي من طبيعة الابداع السينمائي وخيال منتجه الفياض.
مناسبة التشبيه والمقارنة،ما لاحظناه في إنزال شبكة التقويم بمقاربة الإدماج في الشهرين الأخيرين المتبقيين من السنة الدراسية(2009//2010)،كيف طلب تطبيق الشبكة بمعاييرها وقياساتها على زمن ماضٍ يمتد من شهر شتنبر 09/09 إلى شهر ماي05/10،ونحن في 2010 شهر يونيو،هل سنجعل عقول المتعلمين مختبرات لقياس المستحيل ودرجات الضغط المرتفع والسفر الى الماضي كما في الكتابة لقصصية والروائية وافلام الخيال العلمي والفني؟أم هل عقول هذه التلاميذ تحف اثرية تختبر بتحاليل عصرية؟
هذا عائق ذاتي متعلق بمُنزلي ومنفذي برامج الاصلاح، أم العوائق الأخرى،فترتبط بعنوان هذه المداخلة ـ العنوان. هناك من لا يميز بين الكفايات والادماج،لا يعرف العلاقة بينهما التكاملية. هناك جهل استيعاب المطلوب وعدم فهم طبيعة الوسائل والشبكات والمصطلحات.نحتاج ربما لقلم الكتروني ينوب عنا في البرمجة والجدولة وملأ خانات وجمع بيانات ووضع استنتاجات... أما عقولنا فلم تدرك بعدُ ما هو مطلوب منها.خصوصا وان سياسة الاصلاح وتطبيقه أقحمتها في زمن ثالث وزمن رابع،يسافر بها في الماضي او في واقع غير واقعنا،ويعطيها أدوات مطلسمة ليعمل بها دون تحكم في أزرارها ووظائفها....
طامة كبرى تجربة هذا الادماج عندنا. فمنفذ السياسة يهمه التقرير النهائي او المرحلي حول تحقيق اهداف سياسته.لا يهمه كيف تحققت .ما يهمه على ما يبدو من خلال ما يقع هو ان يقدم تقريره بسُلمه وهرمه الاداري في الوقت المناسب.فهو مجرد موظف سيحصل على ملاحظة ومكافأة الامتياز.ما وقع هو ان البيانات تم ملؤها بارتجالية.حصل التلاميذ على النقط والنتائج.يعي هذا التلميذ انه لا يستحق ما حصل عليه،فهي حملة انجاح لسياسة وليست تقويما حقيقيا لعمل التلميذ.الاجيال الجديدة، بدأ يتشكل عندها وعي غريب جديد،فكيف ستحاسبنا في العقود المقبلة؟اذا غاب الضمير ،فكل منا يرمي بالمسؤولية على الجواب الى الآخر،الى المستقبل.المهم ان تبتعد من الالتصاق به كل تهمة تقصير او خطأ في العمل. وكيف يعقل ان يكون التلميذ ناجحا في مستوى السادس ابتدائي وهو لم يحضر لإنجاز الامتحان؟نابت عنه الخريطة المدرسية والتغطية على نجاح الاصلاح الجديد ،ربما.
هذه الملاحظات وغيرها تبين على أن تطبيق الاصلاح بقي شكليا سينمائيا،على ان هناك فشل مستقبلي ذريع سيسقط بواقع التعليم ومستواه الى الحظيظ.ونحن في الحقيقة فيه،فقط اننا نخبىء الشمس بالغربال خوفا من كارثة الحقيقة. في اطار انتشار قيم فردانية انانية نفعية،قليل من يتحمل مسؤولية وهمَ إنقاذ هذا التعليم ،فالغالبية منا تبحث لأبنائها عن بدائل في التعليم الخصوصي،وتستثمر بالمال الطائل لأجل إنقاذ ابنائها. ولكن ،كم هي النسبة المائوية المستفيدة من هذا الحل الفردي؟قليلة جدا.قد لا تصل الى 10/100.
إضافة اخرى تتجلى في كون التقويم بالادماج هو تقريب لقياس التلميذ وعمله من الواقعية والموضوعية والكفاءة الحقيقية له.ولعل هذا الارتجال والاخطاء الواقعين في هذه السياسة يجعلان غيابا تاما لتشخيص وتقويم عالم واقعي نسبي قادر على التحكم في الفعل ورد الفعل وفي تدبير المستقبل ومصالح الفرد والمجتمع فيه.
حينما نتحدث عن الاصلاح،فهو هرمي مؤسساتي . ذكاء واضعيه جعلهم يعتبرون رجل وامرأة التعليم مجرد منفذين للمأمور والمطلوب،حيث لا تسأل،نفِذ أولا. وكل إداري يمارس سلطته الترهيبية قبل الترغيبية على الاداري الذي تحت إمارته حتى يصل الامر مثلا الى مدير مدرسة ابتدائية.قام بواجبه الاداري،بل منهم من هرب التقويم بالادماج في الامتحان في الزمان او في المكان.كيف؟ذلك سر الاخراج السينمائي عندنا. انجز الامتحان قبل او بعد موعده الرسمي نسفا لكل إضراب محتمل.هناك من هربه يوم عطلة أحد أو من ايدي مساخيطه إلى ايدي مرضييه. و لا ننسى التخويفات المرافقة... مصيبةهذا المدير او ذاك أنه لما فرض صنع هذا اللغم،جعله بين كفيه.جاء دوره في مواصلة تطويره ومعالجته.كاد ينفجر قبل انفجار لغمه،لولا خوفه من الاداري الذي يحكمه ويتولاه فوقه:انتبه للامتيازات المادية والمعنوية...