العملة بواجهتين. تشبيه يليق لتوظيفه في تقليب الشيء و معرفة مكوناته و حقيقته. و قد تتسع وظائف هذا التشبيه اليوم باعتماد الرؤية المتعددة الأبعاد و الزوايا. لذلك سيكون التفكيك و التركيب هندسيا ومعقدا. سيحاول ما أمكن رصد الأركان و الزوايا ك كاميرا افتراضية تُشَكل وظائف رؤياها و نظرها.
سينقلها هذا الرصد المتنوع إلى مقاربة سيكولوجية لوظيفة الثقافة في الحقل السياسي و التوظيف الايديولوجي السائد كمادة اساسية في تركيبة خطابه و ممارسته.
الملاحظة السريرية هنا رصد للإسقاطية الانعكاسية على الذات التي تمارسها الأحزاب و مارستها عبر تاريخ عقود ظهورها و حيواتها.
سجّل الدكتور مصطفى حجازي تلك السلطوية القاهرة و القامعة التي ينقلها الانسان المقهور من عالم خارج بيته إلى دواخله. كي يفرِّغ القمع و الاستغلال الممارسين عليه من طرف رب العمل و من طرف الحاكم المتسلط عليه بالسياسة و الحكم، على أفراد أسرته الصغيرة، و على علاقته بالمرأة، فيصبح بذلك انعكاسا لكتاتورية مصغرة منتقمة من الآخر مع من هو تحت وصايته و إمرته. هرمية سلطوية متنقلة و منتقمة من قهر الذات...
داخل أحزابنا، و تنظيمات بعض مؤسسات مجتمعنا، نجد هذا الإسقاط حاضرا، و هذا التفريغ منتقما. ربما لم نسوّ العلاقة مع الأبوة التاريخية التي بنت تربيتها على سلطة القوة و العصا. و هي تربية تجعل التوافق النفسي القابل للمارسات الأبوية داخل قدسية حضورها و طاعتها. تجعل القَبول لسلوكها و عدم معارضضته بخيّره و سيّئه، إياجبيّه و سلبيّه.
و حتى نترك مجال التشخيص السياسي للتحليل الخاص به، نبقى مع ملاحظات حصار الثقافة و كيف تعرف هي الأخرى هذا النوع من التسلط و القهر الممارس ضد مبادىء العمل و خطابات و شعارات المنابر.
الإقصاء وجه آخر للحصار. فالتضييق الذي تعانيه الممارسة الثقافية يخلق صراعات مع الآخر و مع الذات كذلك. مع الذات من خلال أشكال و درجات المقاومة في الصمود و النضال ضد و من أجل. و مع الآخر من خلال رهان التوظيف السياسي للعمل الثقافي.
فالثقافة مائدة الشعارات التي نستدعي الجميع لوليمتها، لكننا لا نعزم على النهل منها و تذوقها و المساهمة فيها سوى عينة منتخبة و مختارة تخدم أهداف عرسنا و احتفالياتنا. و لكي نكتفي من هذه الرمزية و هذه التشبيهات، سنعرض لمدى استفادة المثقف ـ المواطن من خدمات المنابر الإعلامية الحزبية بالمقارنة مع استفادة النخبة المثقفة داخل حزب معين من هذه الخدمات. نفس التساؤل سيكون حول الاستفادة من خدمات و عروض و أنشطة المؤسسات التي ترعاها توجهات سياسية تحت مظلة حزبية لواحد من هذه الأحزاب.
نسجل ان أشكال القمع و التعسف اللاديمقراطي في التمثيليات و في الانتخابات، يسجل داخل هذه الأحزاب التي تناضل من أجل الديمقراطية. تناقضٌ يسجل انفصامية لشخصيتها و مرَضية لممارساتها السلوكية.
لقد عانى كثير من المثقفين من مضايقات و أشكال تهميش و عدم استفادة من خدمات المؤسسات الثقافية التي يسيرها لوبي حزبي من الأحزاب. و لقد أقصي من النشر الكثير من هؤلاء، أو إنه جاء في درجات ثانوية من الاستفادة تُذكِّرنا بثقافة منطقة الخليج العربي ( مواطن درجة ب أو ج )...
ما يعني أن نفس ما يحتج به الفاعل الحزبي سياسيا على أنظمة حكمه مؤسساته و عمليات الإقصاء من ميزانيات الدولة و فرص العمل الثقافي داخلها، يمارسه هو الآخر بدرجات السلطة التي تخولها له أشكال التسيير السياسي و الحزبي داخل تنظيمه. و هنا سنقول أنه كم من مثقف و مبدع بقي منسيا و مقصيا من الذكر و من الحضور التاريخي بفعل من يناضل من أجل الديمقراطية و العدالة.
يقودنا هذا إلى تسجيل عائق بنيوي في عقليتنا، يستفحل كوَبَاء يعُمّ مناخه ممارساتنا و سلوكاتنا العامة داخل المجتمع. و هذا ما يقود إلى درجات الإحباط المعنوي العام و الشامل و التي تشلُّ العزيمة و تصهر ساحقة كل ثقة في الذات ـ ثقة المجتمع في قدرته على ركوب قطار التاريخ من أجل البناء التاريخي الحضاري و المدني الراقي في كل مجالات الحياة، عند النساء و الرجال و الكبار و الصغار.
هكذا يصبح الحصار سياسة ممنهجة و إقصائية بامتياز. فكيف سنحقق النضال من أجل عدالة ديمقراطية مع مناهضتها سلوكيا؟ انفصام هو بين الخطاب و الممارسة. كيف سيقنع على الإقلاع عن التدخين من يدمنه و من يزكّم أنوفنا بدخانه المضر بصحتنا و عقولنا؟ مفارقات الواقع و حداد الثقافة في قاعة انتظار سجنت فيها.