لقد أصبجت الحياة المجتمعية اليوم فاقدة لتلك الروح المحورية التي نسميها العروة الوثقى بلغة الدين، أو هارمونيا الانسجام الجماعي بلغة دينامية الجماعة. يخرج الفرد للتواصل، فلا ينظر إلا بلغة المكتسبات المادية التي سيجنيها منه. تصبح منطق الجميع في الجري وراء القيم المادية. تزيدها الثقافة المهيمنة سوءا حينما تطغى بقيمها الرأسمالية الاستهلاكية فتحول الكل إلى مستهلك يجري وراء الكسب و الاستهلاك. و هو كسب مادي تترجمه واجهات الدكاكين الفاخرة كما الفضاءات الكبيرة للاستهلاك، سنستغني عن ذكر أمثلتها تفاديا لإشهارها و تسويقها. تزيد التكنولوجيا المنتجة اليوم، و التي التصقت هي الخرى بمعايير نفعية فردية و متعة تناولية و خدمات مصلحية فردية، من انجذاب هذا الفرد لهذا التقوقع على التفاعل الذاتي مع منظومة الكل الاستهلاكية. هكذا يصبح اليومي عنده جريٌ وراء الماديات، و تصبح الثقافة استعلاكية بدل أن تكون بنائية و معنوية و وجدانية و عقلية و فكرية. إنها زوايا أصبحت منسية عند جل أفراد المجتمع. خصوصا حينما نبحث داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية، نجد قاعات العروض و الندوات شبه فارغة، نادر ما يحجها الجمهور للتذوق الفني و الجمالي و التغذية الفكرية و العلمية.
إن غياب مشروع حضاري نمتلك زمام قيادته هو الذي يفسر لنا هذا التشرذم في العقلية و هذا الانسياب الذي يُضيع علينا ثروات نمتلكها مادية و معنوية، و التي يمكن بفضلها الرقي بمجتمعتاتنا لدرجات أفضل مدنيا و حضاريا. هي شبه إعاقة تفتقد الذات معها لروح المبادرة و الابتكار و الاختراع و المساهمة الإيجابية لها داخل الجماعة.
و إن التنافسية غير العادلة و التي تتم عن وعي و قصد عند أصحاب النفود الداخلي و الخارجي، تفسر لنا عمليات الإقصاء التي تعرفها ثقافة عضوية مواطنة و ديمقراطية يستفيد منها الجميع لأجل الجميع، تعطي الفرص كما الحطوط للجميع و تجعل له مرتبة إدراك و احترام و تعبير و مساهمة...
هذه الرؤيا الماكرو ـ ملاحظاتية نستطيع أن ننزل بها فوق أرض الواقع لكي نتابع موضوع الثقافة بين العمل الحزبي و التوظيف السياسي و التحكم الايديولوجي، لكي نستطلع درجات الحصار الداخلي بينهما، و لكي نحاول فك هذا الحصار بشكل إيجابي و فعال.
ستكون أحزابنا ضحية تنافسية شرسة مارستها القوى المتحكمة في دواليب الحكم. و سيكون التفسير لذلك مرتبط بغياب إرادة قوية عند زعمائها لمقاومة و تحدي الواقع و التمسك بالمبادىء التي انبنى عليها الاختيار الحزبي. ستهم هذه الملاحظات طبعا الأحزاب المواطِنة التي ساهمت في مقاومة الاستعمار، سواء داخل جلباب حزب الاستقلال أو خارجه. تلك الأحزاب التي استمرت في مكافحة تجليات المصالح الاستعمارية مجاليا و نفوديا و مصلحيا استغلاليا. سنقصي من هذه الملاحظات تلك الأحزاب التي تشكلت على المقاس بمباركة مخزنية و تحت رعايتها من أجل خدمة أجندة انتخابوية أو تحكم في لعبة شبه ديمقراطية في الشكل، لكنها استبدادية إقصائية للآخرين في المضمون.
و طبعا فإن المضايقات التي عرفتها هذه الأحزاب تنظيميا و عمليا و سياسيا، سيكون لها التأثير ثقافيا. فقد عرفت أشكال القمع تعسفها على الثقافة و المثقفين. عانى الشأن الثقافي من كل أشكال الحصارو القمع و التهميش و الاعتقال ... هكذا لن نعيب على الحزبي خذلانا في تعامله مع الثقافي، ولكننا سنسجل أنه ضحية كذلك لهيمنة سياسية أكبر منه. سنسجل أنه لعب دورا تاريخيا كبيرا في النهوض بثقافة المجتمع و وعيه. فرض على السلطات المهيمنة تنازلات لأجل مكتسبات سياسية و ثقافية لفئات عريضة داخل المجتمع الذي ينضوي فيه الكل. و هنا لابد من فتح قوس الإشارة إلى الدور التربوي و التكويني و التاهيلي الذي تلعبه الأحزاب بشكل إيجابي في حياة المواطنين. فبفضله نجد نبوغا و عبقرية و ظهورا لشخصيات بارزة سياسيا و ثقافيا و فلسفيا و اقتصاديا. ذلك أن العمل السياسي يبني داخل جدلياته إرادة قوية و رغبة في التحدي و كسر جدارات الخوف الوجودي قبل القمعي و اجتثات الجهل و التخلف السائدين داخل المجتمعات.