في مرحلة من التحليل لابد من إزاحة غيمة قد تظلم الرؤية للأمور. ذلك أن السياسي طالما التصقت به رؤية سلبية و حذرة. علقت به صورة متموقفة و نافرة. ربما الإحباطات و الانكسارات. ربما الواقع المتدني لظروف العيش. ربما تجربة المواطن الفرد و الجماعة مع أنظمة الحكم. أشكال الاستبداد و القمع و الحرمان من الحقوق. القيم الفاسدة التي طفت على سطح العلاقة بين المواطن و السياسي لعقود وصلت إلى الخمسة. انعدام الثقة و تفشي الاستغلال للحقل السياسي من أجل الريع و الاغتناء المادي و توسيع الثروات و الأموال المنهوبة باسم السياسي.
كلها محطات تستدعي المواطن للنفور من السياسي. خصوصا و أنه جرّب جميع أطيافه تقريبا لحد الآن. من اليسار إلى اليمين، و تحت رعاية مخزنية موجهة و مكبلة و محتضنة.
بين مرحلة سنوات الرصاص التي اتفق الجل على طيّها كمرحلة، و مرحلة التوافق و التناوب الديمقراطي، و التي عايشت الفرص التاريخية الموهوبة لبعض الأحزاب ذات الشعبية النسبية بين الجماهير، و التي لها امتدادات سوسيو ثقافية و سوسيو سياسية مؤسساتية داخل المجتمع، بين مرحلتين جاءت التجربة السياسية للأحزاب بخيبات أمل للمواطنين. استفاد البعض منها لمدة العشرين سنة تقريبا لحدود كتابة هذه السطور، بينما أقصيت آمال الآخرين، خصوصا الشباب المتعلم و الحاصل على ديبلومات. كذلك ظروف الحياة التي لم ترقَ بالمكتسبات و ببيئة اليومي إلى مستويات تنظيمية و خدمات لوجيستيكية أفضل عند المواطنين.
كل هذه الملاحظات لا تنفي قيمة العمل السياسي. بالعكس، لأن تغيير الواقع لا يمكن أن يتم بدون عمل سياسي. و تبقى المعادلة معاقة هنا، ما دامت الضرورة للعلاج تجعل الرفض لشكل الدواء و وصفته المعروضة للتجرع. ذلك أنه كلما ازداد الوعي بواقع السياسي و الاقتصادي و الثقافي، كلما ازداد النفور من المشاركة في السياسي.
يعطي الشرعية لهذه الملاحظة أن جل المقاطعين للانتخابات و المشاركات التسييرية لقطاعات حيوية، هم من فئة المثقفين و المتعلمين بدرجات أعلى . و الخطير في الأمر أن هذا الوعي المتموقف أخذت تتسع دائرته الفئوية لكي تسري عند فئات عريضة من المواطنين الذين ملّوا من لعبة سئموا بهلوانياتها و أشكال كذبها و استغلالها و استهتارها بمصالح الوطن و المواطنين.
و للشهادة التاريخية. و رغم سلبيات الواقع، تبقى نسبيا الأدوار التي لعبتها الأحزاب داخل المغرب، إيجابية بدرجات كبيرة، رغم ما يمكن أن يبدو على تحليلنا من تناقض في التموقف و التشخيص للحالة. ذلك أن تأطير الشباب و الذي تم داخل جمعيات و مؤسسات تحتضنها فعاليات حزبية ، لعب دورا كبيرا في تسريع الوعي التاريخي عندهم، و بين الأجيال المجتمعية، لكي يواكب حركية الحياة الثقافية و السياسية و كل ما يرتبط بهما. تسريع تشكيل الهويات الحداثية المعاصرة و قدرة الفرد على اتخاذ المواقف الممنهجة و المنظمة من سياسات العالم الكبير، بعولمته و إمبرياليته و تنظيماته الكبرى. فالفرد بمفرده لا يمكنه ان يقف امام العواصف المعلوماتية و الأحداث المركبة التي يزحف بها عالم اليوم على حواسه و إدراكه.
و بعودة إلى موضوع الثقافة و حصارها المختنِق بين الايديولوجي و السياسي، نجد هذا اليمّ المتضمن لهذه الملاحظات الموضوعية حاضرا بالفعل و القوة. كما نجد أن التقهقر الذي يصيب الواقع المجتمعي ثقافيا على الخصوص، يلعب فيه هذا الحصار دورا في تعثره و تخلفه و تهميشه. دورا في فولكلوريته و سلبية توظيفه. في غياب بعده الحضاري الذي يخدم به مشروع أمة بامتياز، رغم الإمكانيات المتطورة اليوم و التي نستطيع بفضلها الرقي بهذا المواطن إلى أعلى درجات التطور و التنمية. لكن، هيهات هيهات، مع واقع استغلال خفي و نهب ممنهج و قيم فاسدة داخل مجتمعنا.
فكيف نفك الحصار عن الثقافة لكي تمارَس في جميع الحقول بما يرقى بمواطنينا تعليميا و رياضيا و فنيا و علميا و فكريا و ثقافيا و ذوقيا و جماليا، في كلٍِّ مركّبٍ حضاريا؟...