في المنطلق دائما، لابد من استحضار دور المثقف التاريخي في تشكيل السياسي و الحزبي و تطويره. و لإننا لا نريد اجترارا تاريخيا يراكم ثقل الماضي بدون حضور فعلي في الحاضر و بدون شرعية تناول آني، فإننا سنقتصر على الحقب التاريخية التي شكلّت مثقف و سياسي المرحلة الراهنة التي نعيشها. ذلك أن الاعتبار يجب أن يكون لإنسان الحاضر. و الكرامة الباحثة عن الحقوق و الخدمة المواطناتية يجب أن تكون لأجيال اليوم و الغد. ولكن، لماذا هذا الحصر؟
قد يحصل باستغراب تام أننا نخدم شبح عقول ماضية و اختياراتها الذاتية التي فرضتها لاشعوريا على اتجاهات و طروحات مرتبطة بمصالح فانية وتعسف على الآخر دون مراعاة حقه في الاختيار و السير في دروب الحياة بذوقه و حريته. قد يحصل أن رعب الأبوة و عدم الغربة في الفطام عن ثدي امومة يجعلنا نتمسك بالماضي لمجرد هذا الحنين، و هذا الهروب من خوف وجودي حاضر في عيشنا مهدد لذواتنا. و بدل المواجهة و الخروج من فوهة الكهف الذي يحتضن اختباءنا، تجدنا تمسك بحجر العطف و الاستنجاد في باطنه، لا برى من النور إلا قبسا ضعيفا، لا نرى من ألوان الحياة إلا ما انعكست أشته من بعيد، دون معانقة دفئها و الاستحمام بها في بحر الحياة.
لهذا، سيكون للعقل دور في الخروج من ظلمات تاريخ أو شباكه البالية. سيكون عليه أن يتروض مع شباك جديدة و بحث عن تحرر منها، ما دام مليئا بها و مختبرا أصحابها.
لقد كان هذا القوس ضروريا في الإشارة إليه، قبل أن نستمر في تناول دور المثقف في تشكيل السياسي و الحزبي في مجتمعاتنا المعاصرة. و طبعا دون أن نغفل جدلية العلاقة القائمة بين الحقلين السياسي و الثقافي. و لكن دون أن ننجر إلى إعادة استهلاك نفس المادة و استرجاع مصوغاتها تكرارا بدون فائدة جديدة.
عبر التاريخ، كان للمثقف دور تنويري. وعبر تاريخنا المعاصر، كان له دور في استحضار الفرق و البون الموجود بين مكونات ذاته و مجتمعاته مع مكونات مجتمعات أخرى. تلك المقارنة التي تجعل كشف الوجه في المرآة لترى درجات قبحه من جماله، تطوره من تخلفه، رقيّه من بدائيته المتوحشة في السلوك و الممارسة.
كان لجدلية الصراع و المجابهة والصدام، الدور في الدفع بعجلة التطور و التقدم لمجتمعاتنا، بفضل المصباح الذي ينير به المثقف عقولنا. فقد ارتبطت الثقافة بالعلم و التعلم و استعمال العقل، و بالبرهنة و المنطق و الاستكشاف الحفرياتي للحقيقة و عن الحقيقة. و بعجالة السرد، كان له دورٌ في محاربة المستعمر داخل مجتمعاتنا إلى جانب المقاومة الشعبية التي أبدتها مجتمعاتنا و التي لا تنفي عنها درجات وعي و ثقافة و حدس و خبرة سياسة. فقط أن المثقف هو نتاج زبدتها التي اعطيت له ميزة ترقب الأفق من أعلى عمود شراع سفينة المجتمع في تحدي أمواجٍ عاصفة، أو مباغثات قراصنة يتربصون بسفينة مجتمعاتنا.
و حينما نعود لأحزابنا المعاصرة، فلن نجعل تمييزا تشريفيا لهذه على تلك في اعتبار وجود مثقفين عند هؤلاء دون آخرين. واهمٌ منا من سيقول إنه امتلك الثقافة و المثقفين مع إقصاء للآخر في التحقق و التوفر. سيبقى فقط الحكم على نوعية هذه الثقافة، ماذا تخدم كأفكار و كمصالح؟ كأفراد و كطبقات؟ كمنظومة مرجة و كإيديولوجيات متحكمة في العقو و في مجالات الحياة الواقعية بالفعل أو بالترقب.
التاريخ الموضوعي عملية غير إقصائية و لا انتقائية في الاعتراف و الاستشهاد و الاستحضار. التاريخ الموضوعي اعتراف بدور كل واحد و بمساهماته في البناء الحضاري السالب و الموجب. هو حق في الوجود و في التعبير و في الحياة التي تؤسس لقيم الاختلاف و الديمقراطية و التعايش و الحرية النسبية التي تؤلف بين المصالح و لا تقصي بالتعسف و الاستبداد و الحرب الكاسحة بالقمع و النفي و الاعتقال و التصفية.
هذا التاريخ الموضوعي نستحضره لكي نتبين مدى حضوره كوعي عند أحزابنا و مثقفينا الذين ينتمون إلى منظومات و تنظيمات بنيوية معاصرة.
الرؤية للمستقبل الحاضر، و الحاضر المستقبل نسبية. لا يمتلك حقيقتها المطلقة أحد منا. لا يُقصى من يحترم الاختلاف و التعايش من المشاركة فيها. لذلك نعتبر جلوس الأحزاب و المكونات الثقافية و الفكرية المشكلة لها عملية صحية و ضرورية لمساءلة الدور الذي يمكن أن تلعبه في بناء هذه القيم الإيجابية و في الدفاع عنها. لن يكون الحضور لمائدة مستديرة أو لندوة من أجل استعراض العضلات و تحيُّن الفرص للانقضاض طبعا. إنما كيف تتسع الرؤيا لكي تكون اجمل و أنقى بما يخدم إنسان الحاضر و مستقبله القريب و كرامته؟