بعد تجارب عقود عديدة،توصل الباحثون في مختلف التخصصات إلى كون التنمية الحقيقية هي ذات الأبعاد الشاملة،هي ذات البعد البشري والبيئي كذلك.هكذا بدأ الحديث والخطاب والبحث عن التنمية الشاملة والتنمية البشرية.
ولعل الخلل الموجود الآن عندنا،في تقويم مدى حضور هذه الأبعاد من غيابها في واقعنا المغربي. ذلك أن مشروع التنمية اتخذ بعدا رسميا،وتبنته الهيئات العليا في البلاد،فكان هو المشروع المتميز الذي يبدو بنائيا وممنهجا ومنظما في بلادنا. وهذا ليس محاباة رسمية بقدر ما هي موضوعيةٌ ملاحظةٌ نسبيا،رغم ما قد تسجل عليها من ملاحظات.ذلك أن مهام الحقائب الوزارية وتشكيل الحكومات المتعاقبة أصبحت مندمجة في خدمة برامج التنمية البشرية المسطرة استراتيجياتها والموجهة سياستها من طرف هيئات الأمم المتحدة ومن طرف السلطات الرسمية. وهنا سيذهب العجب في الملاحظة لكي نسجل بأن التناول إنما يريد المساهمة الايجابية بالملاحظات،ما دامت قاطرة التنمية بالمغرب سائرة على هذه السكة.
أخطر عنصر وأهمه في آن هو العنصر البشري. فبقدر ما تَشَيَّدَ من بنايات،وما تجهَّز من آليات، ووضع من سياسات وتوجيهات إدارية،بقدر ما تنتظر قاطرة التنمية قيام العنصر البشري بالمطلوب منه في التفاعل الايجابي مع برامجها.وإذا لاحظنا كمْ من بناية مجهزة فارغة أو شبه معطلة،منتظرة لتدشين،أو بعد قيامه،ومغلقة حفاظا عليها لكل زيارة رسمية،أمكننا أن نلمس أنَّ العقلية متخلفة او متملصة من إنجاح الغرض من التنمية وتحقيق المصالح المرتبطة بها.
أخطر عقلية هي المتلبسة بخوف مرضي من السلطة،بحيث لا زالت ترى فيها السيف البتار الذي يجب حذره دائما،أو تلك التي تحتقر المواطن فتجده وتراه غير مؤهل وغير مستحق لمنجزات التنمية،أو تلك التي تكون منافقة نفعية وصولية انتهاز،تجعل ركب المسؤولية في موكب التنمية تسخيرٌ لخدمة الأغراض الشخصية وتحويل لما توفره من مال وسلطة وتجهيزات وترخيصات لمشاريع شخصية،فيتم الاختلاس والتدليس وإفراغ مشروع التنمية من أي قيمة وطنية وأممية إستراتيجية. بل منهم من يخلق مؤسسات خاصة ومقاولات لأقاربه وباسمهم لكي يواكب تحويل واردات المشاريع والأرباح لها أو له فالمسالة سيان.
هي عقليات تتعدد حالات تشخيصها ،فتجدها المشكل الحقيقي والجوهري في تعطل النمو وشلل التنمية.
فغياب النزاهة والغيرة الوطنية وقيم الاستقامة وخدمة الصالح العام،يساهم في التخلف والفوضى والتسيب وينخر كل مشروعكما نخرت الفئران سد مأرب فانهار... والحال أننا نعيش كم من انهيار.
جانب آخر، يرتبط بغياب المبادرة والثقافة الديمقراطية والتحكيم القانوني والعمل المؤسساتي،غياب يقتل الإبداع وآفاق المستقبل وطموح التحقيق للتطور.
فمن كان هاجسه سلطة أعلى منه في إرضائها دون النظر إلى واجبه وغلى مهامه،حضَّر تقارير تنال الرضا،وغطى على الواقع المرير بجدار كاذب أو شجر مخلوع لا أصول له.
في عطالة التنمية،نفكر بعقلية ترمي المسؤولية دائما على الآخرين،تتهرب من القيام بالواجب،تقلص من فرص التواصل والانفتاح على المواطن وعلى مؤسسات المجتمع المدني وعلى المصالح الأخرى،لأن كل انفتاح وتواصل هو ساعات عمل،والعقلية المتخلفة تنتهز الفرص للذهاب للمنزل أو الجلوس على كراسي المقاهي،فعلُ حسنٍ الكسلان الهارب من المدرسة.ـ في وضع ملف شراكة لعمل ثقافي تنموي،انتقلت بين مكتب 1 و2و3و4،وبعد شهر من هذه الرحلة داخل بناية واحدة،عدتُ إلى نقطة الصفر التي هي 1،كأنها لعبة متاهة تبين لك باب الانصراف والخروج وعدم الإزعاج مرة أخرى،وشكرا ـ.
الايجابي الغائب في القطاعات الكبرى يبنيه الموظف البسيط والسياسة الوجيهة.كمثال بسيط نأخذ قطاعي التربية الوطنية والشبيبة والرياضة. كم من تقاطعات بين القطاعين،لكن،كم من شرخ بينهما،كأنهما غريبين عن بعضهما ،كلٌّ يمارس في إقليم داخل حدود خاصة به.بينما هما متداخلان متكاملان.وكذلك الأمر بين الثقافة والتعليم.
إذا نظرنا مثلا إلى البطولات الإقليمية والوطنية،نجد رياضيا عدم استغلال مناسب للتجهيزات والبنيات التحتية متبادلة بين هذه القطاعات.فالأكاديميات تتوفر حاليا على لوجيستيك وميزانيات ضخمة،لكن كل هذا لا نجده مترجما على ارض الواقع في تنظيم وهيكلة قطاع الرياضة وإدماجه في المسابقات والمنافسات وإعلانه التحدي لتحقيق الانجازات. شبابنا في المدارس والثانويات يفرغ مؤهلاته بمجرد خروجه من أسوار المؤسسة،لا متابعة لهذه المؤهلات،لا توظيف لها ونحن نتوفر على الأطر وعلى القاعات والتجهيزات التي تساعدنا على تحقيق ألقاب تنموية وحضارية،وتخلق شخصية مندمجة مع العصر بقيم الرياضة والروح الرياضية والسلم والتعايش والتنافس الشريف بين أفراد المجتمع.فمؤشر ساعات التكوين والتنشيط الرياضي ستحارب ساعات فراغ وجودي وساعات تعرض لإدمان وسلبيات تلقي عبر وسائل إعلام وأنترنيت.
إدماج اجتماعي واسري،تربوي وترفيهي داخل هذه الأنشطة سيخلق مجتمعا جديدا يتطلع لعلاقات حداثية تخرجه من تعثرات الماضي الشخصي والمجتمعي...
نحتاج إلى حكماء في التربية والتنمية يضعون في الحسبان تحقيق التحدي في الإبداع والانجاز قبل هاجس رضا السلطات على أدائهم ومكافأتهم على تقنوقراطيتهم.. ولنا أمل في تنمية شاملة وبشرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ