الثقافة الديمقراطية:
يبدو أن مصطلح الديمقراطية أصبح زاحفا على حقول عدة،وميادين عمل وتواصل أكبر. اخترق الجدران الصلبة والقلاع المغلقة لقرون،والعقول المتعنتة الرافضة لتغيير.
هو ميزان عدالة لا يتوقف عن التمايل والتحيز بكفتيه لمصلحة أو لأخرى،أو لرأي أو حكم... تأتي الديمقراطية،تريد له التوازن والاستقرار،بشكل نسبي طبعا.
كانت الشورى بسيطة في مجلس محيط بالحاكم،خبير مستشار في أمر،لكن كان قرار الفرد حاضرا بعد كل مشورة....
الآن تطورت الشورى ،أصبحت مجالس وهيئات وتمثيليات وأشكال استفتاء وانتخاب وترشيح وتصويت.....
تطورت العلوم والمعارف،تطورت معها أنظمة الحكم السياسي والقضاء،تطورت ثقافة حقوق الإنسان... اخترقت شرايين المجتمعات،وباسم العدالة وحقوق الإنسان وحماية الفرد من القهر والاستبداد والنفي والاستعباد،وقعت تغييرات عديدة.ربما تكون معها الديمقراطية حصان طروادة الذي نقتحم في جوفه مجالات مصالح ومناصب قرار،ربما.وهذه ثقافة انتهازية ووصولية مرافقة لكل جديد،متحينة الفرص للانقضاض على ما هو منفعي فيه... لكن ،ما هو أكيد،هناك زحف إلى الأمام،يعود على صاحب الشعار،يلزمه بما يتخذ ديمقراطيا من قرار،يتدحرج بتسلطه لصالح هذا الشعار،أحيانا طبعا.
كم من ديكتاتور استسلم للعبة الديمقراطية،حفاظا على مصالحه الفردية والحزبية،وعلى نسبية تواجده في السلطة لتحقيق التوازن بين مكونات المجتمع الذي يعيش فيه،مراوغا أحيانا باسم الديمقراطية للاستمرار في المنصب....
الثقافة الديمقراطية،تستفز سياسة التقنوقراط.ذلك أن صاحب الدبلوم أو الشهادة العليا،المقلد للمنصب الحيوي،لقدرته على التسيير،وذكائه في التفكير،ما يهمه غالبا هو النجاح في مشروع مطروح،معزول عن السياق السياسي والاجتماعي والثقافي أحيانا.ما يهمه إرضاء مُشغِله، والحصول على مكافأته... غالبا ما ينظر إلى أشكال ترقيه الاجتماعي،وتوسيع دائرة محصوله ورأسماله واستثماره... إنه يتوسع داخل جلباب الإطار حتى يخرج صاحب مشروع استثمار...
هذا التكنوقراط،قد يكون عدوا للديمقراطية،إذا كانت هذه الخيرة بحكم فلسفة حكم الشعب بالشعب،بتمثيل إرادة أغلبية في توجه سياسي واقتصادي وثقافي... هل سيراعي التقنوقراط مثلا في بلادنا مشروع الفئات الاجتماعية والسياسية وظروفها الاقتصادية؟هل سينصف المظلوم في شكل استغلال مادي واقتصادي وتنافسي؟أم إنه سيبحث عن نجاحه في كفاءاته ومهاراته التنافسية في منصبه ورضى مشغله؟ قيم جماعية تغيب في وعي تقنوقراط له قيم أنانية فردية منفصلة... بين الحفاظ على منصبه،والعمل بتوجيهات مشغله،هل سيجعل العدالة في الاستفادة من أرباح قطاعه،لمستخدميه وأعوانه،جيش السواعد في العمل؟أم يبتلع مستحقاته وتعويضاته،وسحقا للمساكين في جواره...في الشركات الكبرى،يكدح العامل والموظف على تنقية أسنان الغول أو الإخطبوط الإداري والاقتصادي والمالي،لا يشتكي أو يتوقف،يخاف من قضم أسنان الغول لأطرافه وأصابعه.... هكذا شعور المستخدمين...فمن يحمي من جبروت السلطة المستبدة بالتسيير....
فائدة الثقافة الديمقراطية،هي تلك النسبة في تمثيل إرادة الأغلبية.هي ذلك الارتباط بشعار الحملة وسياسة الحزب والقاعدة الاجتماعية التي صوتت عليه،والتي تكون مراقبة لدى الالتزام الوعود الانتخابية،لأجل المحاسبة الدورية.... هي ذلك الخوف من المحاسبة حين الانتهاء من فترة العمل التمثيلي إذا في برلمان أو مجلس حيوي أو حكومة... قد نلاحظ هذا في الدول المتقدمة،وهي بذلك تحقق حيوية تقدم مناسبة.لكن،حينما تكون أشكال التمثيلية الديمقراطية واللعبة الانتخابية مجرد شكلية،لأجل ترصيع الواجهة وأخذ التزكية الدولية والمساعدات الاقتصادية والإنسانية وكسب الثقة من القروض البنكية الموجهة بمدى استقرار وتوازن الحية الاجتماعية والسياسية والعسكرية الأمنية.... حينها،يكون التقنوقراط هو أكبر المستفيدين.ذلك أنه لا يحاسب ولا يحسب على الصراع في المصالح،ولا على المحاسبة السياسية،ولا محاكمة الضمير الانتمائي في إحدى التيارات الحزبية التي تجسد قاطرات الأمم في التطور المنظم في الوعي والعمل والإنتاج والحياة... هو آلة متقنة لأدوارها،حريصة على عدادها...
لأجل كل هذه الملاحظات التي نجد بعضها في مجتمعاتنا، نحتاج لثقافة ديمقراطية نسبية،وقبلها نحتاج إلى تمثيلية شرعية،وانتخابات نزيهة،وقبلها نحتاج إلى تأطير أمة ووعي بضرورة التنظيم والقدرة على التعبير والرغبة في التغيير... نحتاج إلى الحرية الحقوقية واحترام دولة الحق و القانون..
لما ينسلخ في سياستنا الشخص السياسي عن المستثمر الفردي،يمكننا حينئذ محاسبة البرنامج بدل الاحتراس من استغلال النفوذ وتفويت الصفقات وجعل فترة المناصب فرصة للاغتناء والتبرجز....
الطامة الكبرى،هي في بلادنا،حيث يتحول السياسي إلى شبه تقنوقراط،متهيئ بخبرته وتخصصه لخدمة النظام الحاكم بأي شكل وأي ظرف كان.من المفروض أن النسبية حاضرة في العمل البشري،قد نصيب وقد نخطئ.لكن،حينما أصبح صاحب رأي وسياسة لا تناقش ولا تخطئ،إذاك أتحول إلى مستبد بالرأي والمصلحة دون مراعاة رأي ومصلحة الآخرين...
يتحول السياسي إلى بائع خدمة بالمقابل،بمقابل رقيه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي...ينسلخ عن ثوبه الحزبي وجلده السوسيو سياسي الذي أنتجه وخول له بأمانة وثقة ودعم أن يمثله في منابر المؤسسات الديمقراطية للدفاع عن مصالحه والتعبير عن رأيه وخدمة قضاياه التاريخية...يخرج من دائرة الشعبية ويرحب به في دائرة ارستقراطية دبلوماسية في حياتها وبروتوكولاتها...
يتحول إلى شبه خائن للأمانة،مادام غياب قانون يلزمه بالحساب وأداء ثمن التخلي عن مهامه الجماهيرية التمثيلية....من جعله أهلا هو الثقة،من ميزه وخول له امتياز الكرسي هو صوت الفئة التي رشحته وقدمته...أين هو الالتزام بمبدأ الدفاع عن موكلك؟؟؟
في بلادنا،يشتري التقنوقراط الرداء السياسي لكي يخوض مسرحية الانتخاب والتأهيل للمنصب،ويبقى مجرد زي سياسي يباع ويشترى.قد تجد في دولاب أحدهم ألبسة بمقاسات وألوان الخريطة السياسية والثقافية،ينتقي ما هو مناسب لكل مرحلة.لكنها ليست فصول طبيعية،إنها انتهازية واستغلالية.... ينتقل صاحبها حربائيا حسب فصول الحياة السياسية التي لا تعرف مستقرا .
في بلادنا.. يقتلع السياسي جلده الحزبي لأجل تطلعاته الشخصية،ولأجل قفزته النوعية حتى يصبح من أهل النعمة المخزنية والشرفية والمستفيدة خارج لعبة الربح والخسارة،حيث لا خسارة عنده... ذا رسب في الانتخابات،ضمن كرسيا من داخل الإدارة واستمر في امتيازات المصالح والتعلق في الرقي المادي والاجتماعي... وهذا طريق سيار لكم من انتهازية و من انتحار طبقي.يكفي أن تنقل معك أقرباءك حتى لا تخرج عن وضع سيارتك ولباسك وعيدك...
imami hassan