منظومة القيم والتحولات المجتمعية:
الحياة الموضوعية والواقعية تعاش بالمعاينة والمحسوس والملموس،بالارتباط بما هو مادي مع فهمه وتجريده لمحاولة تشكيل عقلنته وانتظامه والتحكم فيه. هي علاقة الانسان بما هو مادي ملازمة لعلاقته بالطبيعة ومستلزمات العيش في هذا الكون مع ما يتطلبه من تنفس وتغذية وتبادل وتكامل مع مكونات المحيط والبيئة التي يعيش فيها هذا الانسان.
هذه الدرجة من التحليل تشترك فيها جميع المخلوقات والكائنات.تزيد عليها بدرجات التفاعل،وتأثيره في دواخل كل ذات سواء كانت إنسانية أو حيوانية أو نباتية أو طحلبية أو غيرها... دواخل مثيرات فوق تغذية طبيعية مرتبطة بجهاز هضمي أو سقاء أو طاقة للخلايا أو الأعضاء.. دواخل ومثيرات غدد واجهزة ووظائف تمتد للخارج لكي تتفاعل مع المحيط والبيئة وتنجذب للتطور بحكم وجود ما هو مثير وملبٍ في الخارج،وإلا لن تكون هناك رغبة في التطور ولا في الاستمرار في الوجود،بعكس ذلك انكماش ورغبة في الضمور...
لكن الحاجة للحياة ملحة،متكاملة بين متطلبات الذات والمحيط،الذات والذوات الأخرى من نفس الجنس أو من أجناس اخرى داخل هذا الكون الفسيح...
تعقدت الحياة الانسانية اليوم،وتطورت إلى درجات عليا راقية بالمقارنة مع سابقاتها،وحتى نعود لما هو موضوعي وواقعي،أصبحنا كمجتمعات نعيش داخل نمط حياة وثقافة عيش استهلاكية مرتبطة بنظام اقتصادي ممتد عبر التاريخ ومهيمن نسبيا،هو النظام الاقتصادي الرأسمالي.
أصبحت المجتمعات الانسانية أكثر انتظاما ومؤسساتية،أصبحت أكثر انفتاحا وتداخلا.لم تعد هناك حدود سوى قانونية وترابية.ذلك أن الحدود الثقافية والاقتصادية والسياسية أصبحت أكثر ارتباطا في وجودها بتفاعلها مع غيرها في محاولة الدفاع عن الثوابت وقَبول المتغيرات المفروضة أو المرغوبة والمطلوبة عن طواعية....
اصبح الفرد في تواصل مع العالم ،كما في تعبير وسائل الاعلام المهيمنة.أصبح الاعلام خير موجه ومؤثر ومستقطب للحواس والذهن ،ومشكل للقناعات وموجه للسلوك يوميا مع كل واحد منا. على مدار الساعة واليوم والاسبوع والشهر والسنة،نظام إعلامي مبرمج بأهداف وببيداغوجيا خاصة يقبض على محاصيله عبر الأقمار الاصطناعية....
من هذه المنطلقات وغيرها ، ما لم يستحضر بعد في التحليل،أصبح الفرد الانساني المشترك الذي تتقاطع خصائص شخصيته عبر العالم،في كل قرية أو مدينة.نموذج إنسان عولمي رغم اختلاف اللون أو اللغة أو المكان...
المعلم والموجه اليومي هو وسائل الاعلام،وعبرها مؤسسات تسيير وتسويق اقتصادي وثقافي وسياسي وسلوكي عام....
قفزات تحرق المراحل التي كانت تسمى طبيعية،والتي كانت ترتبط بشعار ( الحاجة أم الاختراع)،حيث الضرورة تفرض البحث عن الحلول والوسائل،فيبتكر العقل وتشتغل الحواس،وتجرب المادة وتنتقي الوسائل،فتحقق ما نحتاجه في الحياة،وتخترع وتبتكر التقنيات واساليب العمل والانتاج... ما كان يستلزم عقودا وقرونا أصبح اليوم لا يستلزم سوى القابيلة للاقتناء والاستهلاك... نسخر من واقع الحال ،نقول ( من الحمارة للطيارة)،(من شوكة الصابرة لمقود السيارة)... نعبر عن التحول المفاجىء بالاستغراب الغير الطبيعي ،كالفاكهة التي تثمر في غير فصلها، فنتخوف على فقدانها طعمها و خصائصها...يجيء بنا التحليل إلى المقارنة بين الجماعات،بين المجتمعات التي واكبت حاجتها فأحدثت ثورتها وتطورها في ارتباط بها،ومجتمعات أقحمت نسبيا بتعسف داخل هذا التطور الراسمالي المادي نتاجا، الثقافي سلوكا واستهلاكا...
كان للاستعمار دور في هذه العملية.وكان رد الفعل متناقضا،لكن الاحتكاك وقع،والتاثير وقع، والتغير وقع داخل هذه المجتمعات. وهكذا، واقعيا وموضوعيا تغيرت هذه المجتمعات،أصبحت تابعة لنمط إنتاج واستهلاك راسمالي رغم حفاظها على خصوصياتها الهوياتية والحضارية الخاصة بها...
لكن، ما دام هذا التطور موضوعي وواقعي،ما الحاجة الى التساؤل حوا الثقافة الاستهلاكية والتحولات الاجتماعية؟ هل هناك قيم ايجابية فقدت واخرى سلبية طغت؟ هل هناك تفويت لفرص تطور ونمو أكثر صحية وملاءمة؟أم ستكون ملاحظاتنا مجرد واصفة لما يقع ومواكبة له؟
الحديث عن القيم والتطور،حديث عن الشخصية الانسانية ومجالات الحياة.فالقيم مبادىء وتصورات وقناعات مقوية للارادة ومثبتة للعزيمة،ومراقبة لوجهة العمل والسلوك.هذه القيم إذا حضرت داخل الشخصية الانسانية تجلت في مجالات الحياة،أحدثت أثرا قد نصفه بالايجابي او السلبي،ذي الجدوى أو عديمها...
من يبني هذه القيم؟هي دائما موجودة متغيرة في كمها وكيفها.ما دامت الحياة العقلية والروحية والنفسية حاضرة الى جانب البيولوجية وغيرها،فالقيم منتعشة داخل هذه الحظيرة الشخصية للانسان.يبقى ما يميزها هو البناء النسقي والجمعي،التكامل الهرمي في تشكيل النموذج المطلوب أخلاقيا ودينيا وتربويا واجتماعيا. هكذا تتسابق الانساق الى بناء هذا النموذج بين الاسرة والقبيلة،القرية والمدينة،المجتمع والامة... هكذا ترسم الملاحم الحضارية داخل المنتوج الأدبي والمعرفي والعلمي،فتبزغ الصورة العالية في سماء المكان والزمان لنموذج الشخصية المطلوبة بقيمها وسلوكها وتوازناتها...
بين الفلاسفة والانبياء،ومجهودات العلماء والمفكرين،تراكمت هذه الانساق.استمرت في التجاور والتكامل إلى أن جاء العصر الحديث الذي نعيش فيه.. إلى أن بدأت التحولات الكبرى في الحضارة والحياة الانسانية.اهتزت الثوابت مع من وعى ويعي هذه الانساق،سواء في استقلاليتها أو في اشتغالها داخل حقول أخرى.وجدنا المطلق والكمال نسبيا وناقصا.وجدنا المثال تكريس طبقي اقتصادي أو قبلي أو جغرافي.تحدث البعض عن أخلاق الفقراء وأخلاق الاغنياء.أخلاق الاسياد واخلاق العبيد.. الشرفاء والعوام... زعزع الآخر عالم الأخريات،فجر البساط من تحت اقدام حراس القيم الكنسية المكرسة لاستغلال قروسطي وإقطاعي وكبتي بشع.تعرت أشكال دماره ووحشيته وتخلفه في جميع بقاع العالم،ولم يعد مقتصرا على أوربا الغربية المنتجة لحقيقته والمعرية لدهاليزه.ارتبط كل ذلك بتحول اقتصادي وسياسي جديدين.سادت ثقافة الاستهلاك مع الرواج الراسمالي.انفجرت البنيات التقليدية،فحلت البنوك والقروض محل المعاملات الكنزية والصندوقية... ساهمت المدن العصرية والهجرة اليها في بروز الفرداني داخل مجتمعاتنا.ساهمت تكاليف الحياة والرفاهية المرتفعة في التحول من الاهتمام بالانجاب وتخصيب شجرة سلالة الاجداد إلى تأجيل موعد هذا وذاك.. إلى الاهتمام بالذات والجسد والموضة المواكبة لأنماط الاستهلاك في اللباس والسيارة وفي التسوق الممتاز...
من الحسرات النفسية يمكننا ان نقف على ما ضاع من قيم ايجابية عند الجماعة،يفتقدها الافراد في حياتهم اليومية،يعانون بغيابها من امراض نفسية وازمات اجتماعية.. هكذا الانطباع عند هؤلاء.يتحول عند الغالب الى نكوص شامل رافض،يجعل ما فات افضل مما هو آني أو آتٍ.فبأي المعايير سننتقد هذه القيم؟ ( يتبع)