لماذا تكون مراكش غرائبية؟ لم تكون لها كل هذه الجاذبية؟
سر ثقافي واجتماعاي كبير.حينما تلاحظ الحرارة المفرطة والتي تضطر الطائرات في فضاء مراكش للهبوط وتهدئة الجو وعدم زيادة حرارة على حرارة،حينما تلاحظ جبال الأطلس صامدة أمامها،ولا زال الثلج في شهر يونيو يكسو قمم أوكيمدن وما جاوره،حوار هو بين الحرارة والبرودة،تعايش بين أقصى الطرفين،ستلاحظ الإنسان يترجم هذا التعايش بين أطراف متناقضة ومتباعدة.
طبيعة مراكش مرحة ومفرغة لهم المشاكل اليومية،معلقة بسخرية على ما قد يقدره القدر أو يعبث به الزمان.الإنسان سريع في وضع الحكم بإيقاع وقافية.وهكذا يبقى المراكشي في صحة وعافية.الجيب فارغ،وكاس القهوة بالكاد اقتناه ببعض دراهم ليرقع به وتيرة الزمان المتقطعة، فجأة ينقلب كأس القهوة ويضيع... يعلق صاحبه ( لالا زينة وزادها نور الحمام)....
هذه ساحة جامع الفنا،متسامحة مع التاريخ والزمن والمعيش.رغم تاريخ العقاب والدماء وأشكال الجلد والإعدام، رغم جروح الفقر والآلام ومعاناة البسطاء وعابري السبيل،وضحايا المجتمع نفسيا وعقليا وعصبيا و معيشيا... رغم البذخ الجديد الذي اخترق عالمها،وهي التي جذبته بجمالها وإبداعها...، رغم كل هذه التناقضات،تعيش الساحة يومها،تخلق فرجتها،تلبي رغبات زائريها... هي المتسامحة مع الجميع،فاتحة أذرعها،يخترقها المتدين فتفتح له سبيل الآذان والمرور للمسجد والمحراب،تكسيه بلحيته وتبارك له لباسه ومسكه وسبحته.يخترقها الباحث عن اللذة والنغمة، تعطيه الفرجة.لا قانون مانع عندها.
ها هي في زمن عولمة كبيرة وتحررية جنسية غريبة... مجال اعتراف موضوعي بالآخر،إيمان بالاختلاف،المهم فيه ان تجد راحتك يا هذا الإنسان،حتى لا تزعج الآخر. والمهم في كل هذا هو الصحة والعافية.
العاملة في بيت النظافة بالمقهى تحمد الله على دريهماتها وعودتها إلى بيتها ولقمة عيشها. قد تكون أنت صاحب الملايير،المهم أننا كلنا نعيش داخل فضاءات ساحة جامع الفنا...
من يستبطن التاريخ، يدرك أن لا ثقة في الحال،ولا في العمران. لادوام لهذا الحال. وكما قال ناس الغيوان ( دوام الحال من المحال). ومراكش شاهدة على ذلك بنخيلها ومسالكها.كم من دولة حكمت وراحت. كم من تجارة لم يبق منها إلا الحكايات.كم من قصور أصبحت أطلالا...
وهل نستطيع استرجاع الأمجاد، حكم البلاد والأندلس،حمل رسالة الجهاد...؟ بالنسبة للسكان لا جدوى من هذه الأسئلة.بالنسبة للسكان، يكفي أن يحمي رجال البلاد صحتنا،نفسيتنا،أحوالنا من تقلبات وغدر الزمان،لا طمع في سياسة تاريخ ولا تاريخ سياسة.....
هل يضمن سبعة رجال أمن أهل البلاد؟فئة عريضة تقتات على بركة زيارة الأضرحة.وهذه ظاهرة عامة في جميع البلدان،رغم كون الامتدادات السوسيولوجية والثقافية تلعب دورا في جعل طبقة الشرفاء،أولاد السيد،وطبقة خدام البيت والمقام... وهي طبقات تضمن الاستمرارية في الارتباط وضمان لقمة العيش.على ان طبقات أخرى تتعلق بالتسول خارج الضريح، ثم المحيط التجاري والاقتصادي المرتبط بالتجمع البشري والزيارة والمواسم التي تقام....
ترتبط هذه البنية السوسيو ـ ثقافية ببنية أو مؤسسة الزاوية الطرقية أو الصوفية، والتي قد تتداخل معها تماما أو تقيم تواصلا بين بنية وبنية .ثم هناك الارتباط بالحاكم، والحاكم درجات هرمية يحتاج إلى مباركة تاريخية آو تزكية اجتماعية أو صورة مناسبة.كما يحتاج إلى بيعة وولاء وتنفيذ أوامر سياسية أو جبائية... والمعادلة هنا أخذ وعطاء متبادل ماديا ومعنويا.هناك الهدايا التي تقدم للحاكم وهناك الهبات والاقتطاعات والاحباس التي توقف على أولاد السيد وفخذاته....
فالزوايا والأضرحة بمؤسساتها لها سلطة روحية واجتماعية واقتصادية على المحيط من قبائل وسكان. والخصوصية الثقافية المغربية تجعل القدسية للمنتسب لآل البيت،صاحب البركة الذي بقدر إكرامه تزداد البركات، والحكايات عجيبة وغريبة التي تترجم هذه العلاقات المقدِسة والموهمة.....
هي مراكش إذاً.تنبني تشكيلاتها الاجتماعية في الارتباط ب ( سبعة رجال)، بما تمت به الإشارة سالفا.
ما أثر على هذه البنية التقليدية في جميع المدن المغربية والقرى بنسب متفاوتة،هو هذا الاختراق للمدينة الحديثة ببنيتها ومنطقها الغربيين.ظهور مدن عصرية لا تتمحور حول أضرحة أو زوايا،بل حول مرافق اقتصادية وإدارية وسياحية.ترتبط بنظام اقتصادي رأسمالي مصرفي ومعاملاتي... رسم لمسار جديد،لتحولات المجتمع المغربي وتجمعاته السكنية...
الآن بمراكش توسع عمراني كبير ومهول،باهظ الثمن،يستقطب أثرياء العالم ويريد أن تكون مراكش بتقاليد مآثرها تحفة وعرضة للسائح،سواء المقيم في الفيلات الفاخرة أو الفنادق الفخمة أو الرياضات العجائبية.... والنتيجة هي هذا الإنسان الذي يعيش في المجال لا بد لنا من إزاحته من تأثيث الصورة السياحية. سنحارب السكن الغير اللائق،سنبني مدنا جديدة، سنبعد الزائد عن المشهد والحاجة السياحيين خارج أسوار أسوار المدينة. ولو كان هذا الإنسان في ارتباط وجداني عميق بالمدينة.شرعية وجوده الفلسفي والحياتي بداخلها.سنقتلع هويته وانتماءه وحياته الثقافية بعيدا في مساكن معلبة تأوي العدد ولا تُكون أو تُحيي الكائن البشري...
ويطير الأمان،ويستطيش ويستشيط الأمن غضبا،والإدارة سخطا،فتنزل الهراوات على المحتجين،رافضة صوت التعبير أو فهم مبتغى هذا الكائن البشري المسكين...
يستفيق الجميع من المتعة العجائبية حينما يرى هذه السياسات الإدارية المغربية،فيُسائل المستقبل عن أي مجتمع نُكون للغد؟أي جيتوهات نحقن وأي أوضاع نشحن ونصنع؟؟؟؟