هل فقد الإنسان صدق قيمه ومشاعره؟ ما الذي يجعله يهتز من دواخله فلا يكون صادقا مع كوامنه؟ مشكلة الإنسان مع قيمه،مشكلة وجودية وتاريخية وحضارية قبل أن تكون نفسية. فالنفسية ضعيفة أمام هول قضاء وقانون هذا الكون الفسيح،هذا المجهول المخيف في سر بداياته وتساؤلات مصيره ونهاياته... ولما يفقد المرء آليات التحكم في مصيره وحياته،يحضره الخوف الوجودي الذي يقتلع الثقاة والمصداقية.فالهلع يمتلك الحركة ويخدع الحواس.ليس الخارجي هو المختل،بل الداخلي هو المهتز والمرتبك. لتتصور نفسك بجانب بركان منفجر، أو سيل عرم بين وديان جبال مرتعدة بالرعد والبرق والصواعق،أو أمواج بحر تتقاذف جسدك...، فيمن تثق، وبم تنتصر وتستنجد؟
الوجود سر عميق يخفي أحداثه،يلغي وعي المخلوقات به. على مَ ننتصر؟ التاريخ صناعة إنسانية،ساهم الكون فيه،وهب العقل والتخطيط والتحكم النسبي للبشر حتى يصنعوا حدثا،يسيروا زمنا،يكتشفوا مكانا،ينعموا حياة.
يسخر الكون من الإنسان المتأله،الذي يُسَيد نفسه على العالمين.يمهله إلى حين ليريه أن قوته غرور فقط.التاريخ صناعة بشر؟ طيب، أي جودة ارتقى لها فيما عمل؟ سجل البشر حضوره بحضاراته.على الأقل هذا خلودي الذي يبقى بعدي.المهم أنني حينما أموت أكون قد تيقنت من أن أجيالا بعدي تعيش في بناء حضارتي...
الحضارة حضارات،وبناء شخصية الإنسان من هذه البنايات.والقيم طاقة متحكمة وموجهة للعمل في هذه البنايات أو الحضارات...
للقيم قناعات ومبادئ وتصورات أخلاقية ـ فلسفية ـ دينية ـ علمية... القيم موجهات فكرية ومعنوية لسوك الإنسان. وقبل ذلك،نقول السلوك: كل فعل ذهني أو جسمي حسي ـ حركي،قول أو فعل... في تفاعل وتأثير وتأثر... هو كل هذا السلوك في تشارك مع حركة المجتمع والعالم المحيط....
عنصر الثقة اليوم،مرتبط بالمشروع الحضاري الذي يخلد في هذا الوجود ويرسم بصمته في هذا التاريخ.
لما يرى الإنسان داخل مجتمعنا إحباطا سياسيا واقتصاديا وثقافيا،انهزاما في نصرة قضايا تحررية وحقوقية،شلل المنظومة التربوية والتنموية،مَسْخرة ميزان العدالة...، يرى شرخ الهم،ضعف وانهيار لبنات بنيانه ومدارجه.... لما يرى الإنسان كل هذا تتصدع شحنات القيم بدواخله، فهي مشروع هذا البناء.تطفو تطلعاتها،تنطفئ طاقتها... لمن هذا الجهد؟لخطوة في حفرة أو هاوية تسقط الذات ويختل توازنها؟ لمن هذا الجهد وتوظيف هذه القيم؟ انعدام ثقة، تقلص بنية،أفول فكرة... كلها مؤشرات أزمة القيم داخل مجتمعنا...
مع أزمة القيم وضعف البناء الحضاري العام وفشل السياسات المتعددة المجالات،يكون الفرد في هذا الخضم إما مثاليا متشبثا بالآمال أو خائفا طالبا النجاة بين الأنام... ( انج بنفسك): هذه عبارة إنقاذه ( انج بنفسك).قد يهرول هربا من قذائف البركان وحممه،لكنه يرتمي في سيل نهر لا يعرف السباحة فيه،فيفضل الموت غرقا على الموت التهابا... لكنه موت موت. الأمر سيان.مَنْطِقه تبرير لنهاية.