11 ـ
سيتسع العقل و يضيق العمر حتى إنه لن يسعف الذات فيخونها في رحلة أخرى غير هذه الحياة. عبارة حضرته و هو في حصة المشي ببدلته الرياضية بين ممرات غابة السويسي حيث يرافقه فيها صديقه علي الزين أستاذ اللغة الفرنسية و آدابها. كان حدو الربيعي قد شاركهم في مرة واحدة، لكنها أزعجته بتشخيصاتها المجالية التي أقلقت باله و عقله... لم يستسغ تمظهرات مدنية و تراتبيات اجتماعية و سلطوية إدارية سائدة في هذا المجال الرياضي و البيئي. سيستغرب السيد فحص و السيد علي لملاحظاته، لكنهما يجدان العذر له في واقعية تحليلاته. فقط أنهما سيستغربان حول هذا التقاطع الذي يجد له الطريق في الربط بين التحليل النفسي و التحليل السوسيو اقتصادي و سياسي...
حينما كتب عبارته داخل السيارة و قبل أن يدير المحرك و ينطلق عائدا إلى إقامته و أسرته، توقف هنيهة مستدركا تشابهها مع ما قد ألفه من تعليقات أدبية و صوفية. يتذكر قول النفري ( كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ). يراجع مكتوبه و يستنتج أن عمليتي الاتساع و الضيق حاضرتان، فقط أنه نقلهما من مقارنة العبارة مع الرؤية إلى ضيق عمر عيش الإنسان و انفلات مسافة زمنية فيه تكفي العقل لكي يزيد من وعيه و فهمه و علمه.
استشعر نفَسا غريبا مع صفاء حواسه و اتساع عمليات تنفسه. بقدر الشعور بالراحة مع هذا المشي بقدر الشعور بقرب فقدان نفَس الحياة في الآتي... ليست المرة الأولى التي تراوده فيها أفكار الموت، فمع تنبيهات الطبيب له و لعاداته في التدخين و الشرب، ازدادت مشاعر التهديد الوجودي عنده. لكنه ضغطه على محرك السرعة أنساه هذا الشعور و أقحمه في لعبة الحياة التي تنسي صاحبها كل تهديد أو أجل مباغث.
في الطريق استحضر رابطا آخر بين عبارته و بحثه. آخر ما كتبه كملاحظات مأخوذة من كتاب (الريع المخزني لفائدة شرفاء أهل فاس و مكناسة الزيتون)، تضمن الإشارة إلى تجاور القبائل و تعايشها في إطار الحفاظ على مصالحها المشتركة و على توازناتها. كذلك في إطار امتيازات الولاء لسلطة عليا تمثلها الدولة الحاكمة أو الخلافة القائمة.
حينما يلاحظ امتداد القبائل في منطقة شراقة أو شراكة بلغة أهل البلد، و ذلك التمازج و التجاور بين الأمازيغ و البربر، يرى أن ما يسير التاريخ هو استمرار المصالح مع استمرار أصحابها أو العكس في الحقيقة. فبحثه التاريخي أصبح سيكولوجيا و سوسيولوجيا أكثر. و هي قيمة و أهمية دراسة الحوليات و البنيات التاريخية على الخصوص. تتخذ الطريق من حي السويسي إلى حي الرياض مناحي تفكير جديدة، ستكون مشروع كتابة في يوم هذاالأحد مباشرة بعد عملية الاستحمام و الاستراحة الصباحية.
ـ أين هي شادية من شقاوة هذه الرحلة؟
ـ في تحضير باقة ورد للفاتح الجديد لصفحات التاريخ الشخصي لها.
تبتسم داخل فستانها الخزامي المفتوح و شالها الأصفر الذي يجعلها زهرة متفتحة في أواخر شهر دجنبر البارد. تنشرح دواخله لهيأتها و ابتسامتها و كلامها. شعر بتبلسم جراح تفكيره و تعبه. انتعش بمقويات نفسية من ساكنة فؤاده. احتاج إلى التعبير عن كل هذا و فورة دمه و كأنها مستمرة في تمارين المشي التي ابتدأتها هذا الصباح. يكفيه أن يكون مهيأ لضمه بين ذراعيه و مداعبتها بمقدمات قد لا تكون لمعاشرة جنسية، فقط لتغذية عاطفية بحسب المقام و الكلام و المناسب الزمان. و طيف رانيا المار بين ممر الحمام و المطبخ يخفف من وهج أي اشتعال فيعيدهما إلى رسمية اللحظة و مطلوبها اليومي. ألفت شادية تنهيدتها المصاحبة لانفلات لحظة مناسبة. تتسامى عنها بمألوف الكلام و الأشغال المنزلية و متطلباتها الصغيرة و الكبيرة:
ـ رانيا، هل ترافقينني إلى باب الأحد لاقتناء بعض الأغراض؟
ـ إذا شئت يا ماما غدا ألتحق بك بعد الخروج من العمل. أما اليوم فلا يمكنني ذلك. شوفي بابا يرافقك.
كانت رانيا تفكر في مشروع جديد لحياتها. اختارت مع خطيبها البحث عن سبل تحقيقه و عن إيجابيات القيام به. لم تُرِد مواجهة والديها بالأمر حتى تعدّ جميع المعلومات و الامتيازات والمقارنات... و في هذا الأحد ستجلس من جديد مع خطيبها لمواصلة البحث و التفكير في الموضوع الذي هو الهجرة إلى كندا. باب بحر ستبتلعه السماء و ستترك السيد فحص الخالدي و كذا السيدة شادية سليمان معلقين في سحاب تحليقه.
جلسة جديدة و منفردة لفحص الخالدي مع ورشات كتابته و بحثه. سينطلق من العبارة التي توّجتها صبحيته الرياضية (سيتسع العقل و يضيق العمر).