Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
فرطاس الجبل ـ   42  ـ

فرطاس الجبل ـ 42 ـ

فرطاس الجبل ـ   42  ـ

بينما ينشد السيد فحص معادلة الدنيا، كانت شادية تنشد معادلة الآخرة. يتذكّر معها يوم كان يشارك ففي حراسة الامتحانات في سنوات من بدايات عمله. كيف كان يلتزم بالمراقبة النزيهة، و كيف كانت إحدى المرافقات في الحراسة تهرع لكرسي لكي تجلس عليه منذ بداية حصة الامتحان فتفتح كتابا بعنوان عريض بالأحمر ( باب التوبة و الأدعية ) و تغطس في ملكوته تاركةًً إياه في جحيم المهمة. يضحك للمفارقة ، لكن دواخله تتمزق.ـ

يتذكر عطر تلك السيدة، كيف كان قويا. يربط بينه و بين خيط الذاكرة الحالّ هنا و في الآن. ربما عندما فتح باب الدولاب باحثا عن لباس تحتي أبيض يجعله على جسده قبل القميص الكاشف، معلنا طهارة خاصة، قد تكون رائحة متسرّبة من عوالم زوجته شادية هي التي استحضرت. فجأة تطير الذاكرة و معها الذهن إلى الصورة التي رآها رسالة  في هاتفه المحمول، شادية في لباس أبيض في ساحة المسجد النبوي بالمدينة المنورة. يعلم الآن لماذا تختلجه ابتسامة مرة في المقارنة و المفارقة بين لحظة من الزمن الماضي و بين لحظة في الزمن الحاضر. لم تُسَوّ الأمور بينهما بالشكل اللائق لمصالحة زوجية طبيعية. ـ

لم يبحث عن طريقة للتجاوز، كما لم تبحث شادية عن طريقة للاعتذار. جعلتْ تصرفاتها متنقلة بين زهرات شجرتها الجينيالوجية الأسرية. فبمجرد عودة رانيا إلى باريس، عاد التباعد بين الزوجين. سادت برودة كبيرة علاقتهما. لا يتكلمان إلا في الضروري الذي يتقاسمانه عهدا مقدسا داخل مؤسسة الزواج. استمر السيد فحص في عيادته للطبيب النفسي بمدينة الدارالبيضاء. شجّعه السيد حدو الربيعي على الاستمرار. ذكّره بأن هذا البعيد سيكون أفضل له. فعلاقتهما و صداقتها القوية قد تغلّفها العاطفة و الشفقة في الكلام و الألفاظ.

ـ تذكّر بأن الطبيب النفسي هو الاخر يلجأ إلى عيادة طبيب آخر لكي يعيد ترتيب التوازنات الشخصية و يصفيَ ما أمكن دواخله النفسية.ـ

هكذا يزيد قناعة بالخطوات التي رسمها. يخلق عوالمه الجديدة التي لا يخدشها شيء من الماضي. فعلا، اختار علاقة جديدة متحررة من قيود الماضي. شرعنها داخل ثقافته. لم يعتبرها خيانة. هي وفاء لنفسه. حاسب نفسه بالموازاة: ماذا لو اختارت زوجته علاقة أخرى كما فعل؟ لم يبحث عن جواب. يشعر بأن الخيط الرفيع قد انقطع بينهما. يعيش لآنه و غده شخصية ثانية تتشر بدل الأولى. فبمجرد ما يلج مدينة الدار البيضاء قادما إليها من الرباط يفك أغلالا و يلتحف بعراء هواء البحر و زرقته المتاحة خيالا. يبتسم لساعته و هو يتذكر موعده في اللقاء مع بديعة الفلاحي.ـ

شخصية واقعية و صريحة صراحة موقف السيد فحص الخالدي. طويلة في حدود قامته. جسد محافظ على رشاقته و مواكب لموضة اللباس الرفيع و العطور النادرة. حياة متحررة داخل مدينة متحررة. هي مدينة يخافها البعيد عنها، و يألفها المقيم في دواخلها و عوالمها. حينما يتداعبان بالكلام عبثا و سخرية من قدر اللقاء و قدر العلاقة تفاجئه:

ـ كازا يا كازا، اللي مشى ما جاء!ـ

ـ الحمد لله، ما مشى ففي خلاء.ـ

يضحكان ملء قسماتهما لحدود التصافح و العناق و الغرق في قُبَل الشوق الجديد بينهما. يغرقان في تيه كازبلانكا. دخول الحمام ليس كخروجه فعلا. بين شادية و بديعة عشر سنوات كفارق في السن. و بين الجسدين فوارق كثيرة وكبيرة. إن كانت شادية تمتلك العينين الساحرتين و خفة الجسد و رقته و نعومته، فإنها مع عامل السن افتقدت ما توفّر عند صغيراتها. حرب مع العمر لا يدرك خطورتها و سرّها أكثر من النساء. حتى إنهن لا يردن البوح بالسن و العمر. تعلَمْنَ أن الجواب هو دق لناقوس غد بتجاعيد و ترهل جسد...ـ

مقارنة السيد فحص بين الاثنتين بين سكر و صحو، و إن كان هذا السكر ليس بخمر و لا بنبيذ فعليين. هي مقارنة بين صحو و نوم، بين تنفس و غرق. و يتذكر ما يناسب. فيكون التذكر بغرابة الموقف و غرابة الاستنتاجات و نسبية صحتها كقناعة مريحة لضميره. فعلا. لا يمكن للمرء أن يتخلّص من وظيفة الضمير و الذي تبرمَجَ في سيرورة و صيرورة و تشكّل بقوالب جعلته جهازا ضروريا من أجل تحقيق التوازن بين ميكانيزمات و تفاعلات الدواخل مع تلك الخارجية في السلوك و التصريف.ـ

يسائل نفسه: أيكون هذا الاختيار رجوعا للحظة و للقطة و جزء من حقيقة كان قد اختار رفض الاختيار. يوم فكّر بالزواج من شادية، بقي شيء من حتى الغائبة. ها هي حتى تتشكّل بالقوة و بالتعويض.ـ

لن يدّعي ملائكية و لا قداسة. واقعية عيش موضوعية و ملموسة. لن يبرر أكثر ما يقوم به. سيمضي قدما فيه و متوافقا مع الوضع، على الأقل خلال الفترة الراهنة. تحضره الحكاية التي جعلت الأعمال بالنيات. إنما يؤوّلها أو لنقل هي التي تؤوّله حتى تكون متوافقة مع وعي مناسب آني. بين اثنين. الأول كان مدمنا على شهوات الدنيا و الثاني كان معتكفا بالعبادة من أجل الآخرة. في لحظة قدرية نوى الاثنان تبادل الأدوار دون قصد و لا اتفاق. أراد الأول أن ينتقل ليشارك الآخر عالمه، ماتا في لحظة الانتقال. ارتبطت النية بالعمل و في المصير بعد الموت في هذا المآل. و طبعا هو مآل بين الجنة و  النار. لكن تأويل السيد فحص بعيد عن هول أو خوف أو مصير. تحويل لوظائفه و حفاظ على شكله و منطقه. اعتبر شادية و قد ذهبت بالمدنس بحثا عن المقدس. و اعتبر نفسه...  لا، رفض هذا الاستنتاج. لم يكن موافقا لما يريد. لم يكن ليعتبره مدنسا أبدا. حتى المعادلة رفضها. اختبر الذاتية في الحكم و لمس تأثيرها فعلا. هي باب ستدخل اللوم على هذه الذات. يشعر بجزء من المسؤولية والمساهمة في الخطأ و العطب. لكن، لا سبيل إلى معالجته في الحال و الآن.ـ 

أيكون شعورا بالندم على الخطوات التي قفز في دواخل عوالمها و رهن نفسه فيها؟ ربما هذا و ذاك. لكن، و للمرة الألف، لا سبيل للخروج بسهولة من كل هذه اللخبطة و التناقضات. بعض الأحيان هي تناقضات ضرورية من أجلل ولادة جديدة. قانون جدلية يحكم المنطق و التطبيق و السلوك و الحياة و التاريخ. هذه مرافعته التي لا يعرف لها بداية و لا يفهم لها صيرورة. يحاول وعيها و خلق التوازن داخلها ما أمكن.ـ

و شادية متنقلة بين أمكنة التاريخ، بين مكة و المدينة، أحد و فخ، عرفات و زمزم، الصفا و المروة، الكعبة و الغار...ـ

أما رانيا، فهي منشغلة بمهام تكوينها و دراستها و عملها في باريس. خلقت علاقات جديدة. لكنها مرت من أزمة خطيرة يوم علمت بحقيقة مرض و موت خطيبها السابق. شرخت الأزمة أسبوعا من حياتها في شبه انهيار و بكاء و شعور بالندم. كالَمت عائلة الماجدي. واسَتْهم تعزية، بل واسوْها تعزيةً هم أكثر. أرادت المجيء إلى المغرب و ترك كل شيء هناك. أصرّت العائلتان على لا جدوى هذا القرار.  القضاء و القدر حاضران دوما. و لا رادّ لقضاء الله و قدره. حلّق السيد فحص لمدة أسبوعين للديار الفرنسية. كانت مهمته صعبة  ومفاجئة له هو الآخر. تعامل بصلابة التحدي لما وقع و هو يعلم أن تشظي الواقع تجترح به الحياة. و لابد من مواجهته بصلابة و قوة و تجاهل لمكروهه الذي يوقعه على النفسية و الشخصية و على الذات ككل.ـ

رانيا التي كانت سنتها الجديدة 2015 سنة الضربات الموجعة و الحقائق اللاهبة . رأت تصدّع علاقة والديها.  رأت انكسارات هوية أبيها داخل ثقافة مجتمعها. رأت أخطبوط الموت و كيف يزحف بدون إنذار و لا شفقة لكي يلتهم الأخضر و يترك اليابس، لكي يسخر من وجودها. أجزاء منها قد ماتت مع هذه الصواعق. لم يعد استيقاظها صباحا ببراءة الطفلة التي تسكنها. تفتح عينيها على مرافعة الوجود الذي أقحمها في امتحان و أداء عقوبة و ثمن للواقع. و تستمر الحياة!ـ