15 ـ
تتجاور العقول فتكون مثل خلايا متفاعلة. يحاول بعضها ان يتجانس و يتشاكل مع الآخر. عمليات تأثير و تأثر أكيد. لكن اختيار رانيا و موافقتها على إقامة مشروع زواج مع سعد الماجدي، اسم بصم مدينة الرباط بتاريخ العائلة و نبوغ أهلها أو جلهم في التجارة و الدراسة و العلم و المناصب، جاء بقوة الحاجة إلى تحقيق الجديد عندهما هما الإثنان رانيا و سعد.
سيعود السيد فحص الخالدي لمراجعة هذا التوافق و الاتفاق، لكنه الآن و بعد جلسته المطولة التي أجّل قراراتها و الرأي فيها إلى وقت آخر مناسب، سيختلي لنفسه كطفل صغير فقد لعبته. ربما كانت لعبته هي رانيا، جوهرة حياته و سرّ وجوده و سبب الاستمرار فيه. هكذا باغته هذا الشعور فكان أقوى. رآها أثنى و قد كبُرت. أصبحت برشاقة و قوام متكامل. جمعت بين جمال جداتها و جمال أمها شادية. ربما العمل سيكون هو سبب نحافة جسمها، لكن ذلك لم يؤثر على حيويتها و رغبتها في الحياة و السفر و الاكتشاف و البحث عن المتعة. أكيد أن الوتيرة التي ذهبت بها أمور الحياة عندها كانت سريعة و متتابعة. التفوق في الدراسة و ولوج أحسن المعاهد العليا و العمل بأفضل المؤسسات التدبيرية و المعلوماتية. التوازن بين هذا العمل و ممارسة الرياضات و الفنون المختلفة. هي عازفة الكمان التي قد تاخذ السامع بتوزيعاتها العذبة فلا تقبل منك كجمهور إلا أن تكون تلميذا نجيبا جالسا القرفصاء و فاتحا فاك لكي تسافر مع أوتار الكمان في عوالم ألحان عالمية. و حيث يكون الكمان مراقصا لشعرها الأشهب المنسدل رقة على الكتف المقابل لآلة العزف. هكذا يكون المشهد لثلاثة أيقونات لابد لك أن تندهش و تغرم بلوحتها الجامعة كوريغرافيا للجمال.
أي فقد سيشعر به السيد فحص أكثر من التهديد بابتعاد ابنته عنه؟ و ماذا عن أمها شادية؟ كيف ستتقبّل الأمر؟ لو أنه فقط أنجب أولادا آخرين. و لو أنه فقط أنجب ابنا و كان هذا الابن هو الذي يرغب في السفر و الهجرة خارج البلاد. لكان شعوره كأب و كذكر مع ذكر أخفّ. ستكون حينئذ الأمور بمنطقها الفطري و الذكوري. لكن فؤاد قلبه هو هواء تنفسّه اليومي. أدرك أنه كان له حضور أساسي في كل حين. لابد له أن يراها و يسمع صوتها و كمانها. لابد له أن يجلس في زاوية من أريكة و صالون أو حديقة لكي ينظر إلى أيقونته متحركة أمامه أو جالسة. ليس كأثاث أو طاووس متشكّل بألوان الفسيفساء أو اللوحات المعلقة على جدران. قلبُه يقول لا لهذا التصور و التخيّل. فؤادها الذي يراقص الحياة فيرجع له السعادة انتعاشا و تنفسا. حضرته هذه الألفاظ بتاريخيتها و قيمتها الحياتية. كلمة الفؤاد و كلمة التنفس. عند الناس عنصران داخليان، لكنهما عنده الآن يهدّدانه بالانفصال عن ذاته و التواجد بعيدا عنها.
يرفض هذا الشعور. يلامس يده اليسرى بكف يده اليمنى. يستحضر حضانة إحداهما للأخرى. هما فؤاده و رانيته.
لكن، من كان منهما صاحب هذه الفكرة الجهنمية. قد يقبلها السيد فحص مناقشة ومنطقا للأمور. يسمع عنها كثير، بل إنه يعاين حالات انخرطت في بحر الهجرة إلى هناك. لكن هذه ليست هجرة اضطرارية لكسب كسرة خبز بثقافتنا المغربية. هذه هجرة عقول و أفئدة. هجرة أيقونة تغمر قلب أبيها و لا يتصور يوما أنه سيعيش بدون عطرها و طيفها. لو أنه استطاع مناقشة سعد الماجدي في الأمر و إقناعه بعكس ما يخططان له. لكنه تربيته لابنته تمنعه من ذلك. مناخ و ثقافة حرية كانا أساسيان لنمو هذه الشجرة أو قضيب الخيزران الذي يتربّع على عرش مواصفات الجمال. من يهدّد هذه العائلة التي أثّثها. أمس كانت جدتها و قد تربّصت بها عيون الذئاب. الآن ها هي ظروف العيش الثقافي و المهني و العلمي تفرض عليها الانتقال و هجرة المكان.
يستغرب لنفسه كيف أصبح يفكر بمنطق يجترّه مع تاريخ عائلة زوجته سليمان. تراه يسائل نفسه إن كان الاشتغال حول هذا البحث الذي سيصبح أو أصبح جامعيا و أكاديميا بحكم مادة البحث لتي وفّرها و الجذاذات و المستندات التي اعتمد عليها.. و فجأة يتذكر أنه غيّب تاريخه الشخصي المتعلق بعائلته و قبيلته و منطقته. يعاود نفس الفعل و التساؤل: تُراه يريد مصالحة تاريخه الشخصي؟ و هو الذي تشرنق مع ثقافة حداثية في العيش جعل معها الأمور منطقية في الفصل بين عاطفة التساكن مع ثقافة تقليدية و ثقافة متحررة بقيم عيشها و تربيتها و نظرتها للعلاقة بين أفراد الأسرة بذكورها و إناثها. لم يترك حيزا أو فرصة لتوتر حياته بأفكار تقليدية اعتبرها بالية. رفض إشارات الطلاق من شادية التي لم تنجب له سوى رانيا. رفض فكرة الزواج من ثانية تأتي له بالأولاد الذكور. رفض تلك النظرة الباردة التي تعصف بحميمية شوقه إلى ديار أهله و عشيرته التي ينتمي إليها و التي كبُر في تربتها و عدا في حقولها. لكنه الان يشعر بأن فوهة باب مظلمة تنفتح في ذهنه، يكشّر فيها ذئب بأنيابه سخرية من عقليته و ثقافته و طريقة تفكيره. ذئب واقف وراء الباب يهدده بهدم كل ما بناء و بافتراس كل أمانيه المنتظرة.
سيكون الشاريوه هو المركب الذي سيستبق به الحاكية و يبحث من خلاله و به عن شاطىء أمان يفسر له ما سيجري و يطمئنه على الآت. لم يفكّر في صلاة رغم عبورها مخياله. لم يرِدْ أن ينافق نفسه فيجعل إيمانه الذي يسكن قلبه نفعيا و حاضرا في حالات ضعفه. إيمان ثقافي كما وقّع على وصفه عنده صديقه المحلل النفساني حدو الربيعي. هذا الإيمان الذي ربما سيكون حاضرا هناك، في تلك الدائرة من الخريطة التي ستعبر لها تحليقا رانيا. ترى، هل لعبة الدوائر التي يسطرها فوق الخرائط قد أخذته في قدرية جديدة لم يفكر فيها البتة. في مونولوغ تراقصت معه قطع الثلج المنكسرة في محيط الويسكي البراندي خاطب نفسه:
ـ و لماذا لا تسافر أنت كذلك و تتخذ لك مملكة جديدة لأحلامك؟
( la raison de vivre )، هذه العبارة التي نطقها بالفرنسية و اعتبرها لاشعوريا الفاصلة بين مشاعره و داخل وجدانه في حيرته الجديدة.
ـ لماذا سأعيش أو لماذا أعيش؟ كنت اتلاعب بالماضي في مناهج تحليل و مقاربات تأويل. ها هو الزمن يتلاعب بي في الآتي داخل مستقبل و غد مجهول. أن أقبل الأمر الواقع في هذا السن و هذه المرحلة العمرة. حرام عليك رانيا. لا تكوني قاسية على هذا القلب الذي يحبك هواء لرئتيه و جوهرة لفؤاده و ألوانا لكونه.
بين إطار نظارتيه و جفن عينه اليسرى جهة القلب، انسكبت دمعة متثاقلة و حامية لتستقر في الكأس الذي ارتجفت يده اليسرى في محادثته. ثلاثتهم في مناجاة.