Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
فرطاس الجبل ـ 19 ـ

فرطاس الجبل ـ 19 ـ

20 ـ

لن تكون رحلة عادية عند السيد فحص الخالدي. فباريس تشكل عالما خاصا و رمزية فريدة عند جل الناس. مرحلة شباب و دراسة متخصصة. علاقة عاطفية في الذاكرة. ابتسامة شارلوت داخلها كأنها ملصق فيلم سينمائي معلق على جدار الزمن و هذه الذاكرة. باريس الحلم الجامد في امتداد العمران و الذي يسري غليانا في شرايين الذات و مرايا حلمها المؤجل أو المستحيل.

ستكون هذه الصور الشاعرية مُغْنية لفؤاد السيد فحص و منعشة لها و مرجعة لشبابية نفسية كبيرة. ميزة شخصيته التي يكتشفها كلما همّ للسفر و قام به. ترجع الذات بالعمر إلى الوراء، فترفض التقدم المتشيّخ إلى الأمام. حيوية لا يدرك لها تفسيرا واضحا، لكنها تتحقق كل حين، و هنا في باريس الآن.

لا يصدق نفسه أنه في عاصمة الأنوار. يضحك من ذاكرته التي ربطت الأنوار لأول مرة قرأ معها باريس الفتاة و الأنثى الحالمة في معارض اللوحات، حينما كان يفسرها بالمصابيح المضيئة في الشوارع. ربطها بثريات و مصابيح الاحتفالات في بلاده المغرب. تبرق مبتسمة صورة طه حسين قبل غيرها في هذه الرحلة الذهنية. يتساءل فيما بعد: لماذا طفت صورة الأديب قبل صورة المؤرخ والسياسي حين مغازلة باريس؟

لم يحتجْ إلى جواب في الحين. اعترضته جملة الأديب المشهورة ( باريس، بلد الجن و الملائكة ). تساءل كطفل صغير في لحظة ارتشاف فنجان قهوة منعشة للذهن بفضاء حديقة المنزل الذي حلّ به ضيفا هو وعائلته و صهره كذلك:

ـ طه حسين، لم يكن يرى بعينيه. كيف سيرى الجن و الملائكة؟

جال ببصره في محيط الحدائق الخضراء التي تؤثث فضاء هذا الحي من منطقة مونت لاجوليMantes la jolie . وراء الطريق المعبّد غابة خضراء بأشجارها السامقة و ممرات ولوجها و التجوال بالدراجات الهوائية. وراء الغابة يختبئ في مروره الهادئ نهر السين الذي يدفن أسرار التاريخ. مرة أخرى تزداد حرارة جسم السيد فحص الخالدي مع حضور رمز النهر الهرمي في ذاكرته. لا يدري التفسير النفسي المناسب الذي سيجعله لربط عشقه للتاريخ بعشقه للأنهار. درجة التشابه والتقاطع الموجودة بينهما. حالات الإلهام التي يحدثها هذا في الآخر، و هما معا في الذات. هي نشوة داخلية يتغذى بها و يتلاعب بسحرها و ألوانها. الطريق الإسمنتي يخطف خيوط الذهن للعالم الشمال غربي لباريس و لخارطة فرنسا. لكن الحواس أكثر واقعية من الذهن. سحر الفضاء المحيط و أصوات الحوارات القائمة و المفلتة من نافذة جلسة الصالون من داخل الفيلا، و صوت كلب الجيران الضوبرمان الذي يلاعب فتاة شقراء بحيوية لا يفوّت مناسبتها اليومية....

يبتسم للقدرية الجميلة. ابن عمومته، السيد يونس الخالدي، مهاجر متقاعد الآن وعمل حر و تجارة قائمة و مستقلة و مستغنية عن حضوره في تسييرها، هنا بمدينة مونت لاجولي، سافر إلى المغرب و سيقضي فيها ثلاثة أشهر على الأقل. أولاده الأربعة، اتخذوا لهم مسار عيش مستقل. بقي مع زوجته و التي هي بنت عمه و بنت عم السيد فحص كذلك. رغم أنها لا تتخذ نفس الاسم العائلي. السيدة سعيدة الدكالي، و التي ستعود لحمله هنا بفرنسا لتصبح مادام سعيدة الخالدي.

يشاكس نشوته و يعتبر نفسه محتلا ديبلوماسيا للفيلا و للفضاء. لكنه يشكر القدر الذي يسّر هذا المقام كلما أتيحت الفرصة للمجيء إليه. و خلال هذه الزيارة التي ستطول، سيتدبّر مع رانيا امور الاستقرار الجديد المرتبط بالدارسة العليا التي اختارتها داخل ترقيها المهني. يحمد الله على هذا التغير الذي لم تعلم زوجته شادية بما سبقه من تدابير و تفكير في الهجرة إلى كندا. تأجّل المشروع. ربما لم يعد مناسب ذكره و لا تناوله الآن. الآن سيكون التركيز على الوضع الجديد الذي سيعشقع السيد فحص و سينخرط في رحلته الجذابة. لكنه كلما رآى شجرة متمايلة مع ريح تفكر شجيراته التي تركها في حديقته هناك بالرباط.

انضافت ابتسامة شجرة اللوز إلى ابتسامة طه حسين. نهض من أريكته الخشبية التي كان يدحرجها أرجوحة قاصدا جرعة لامعة تبرق و تنير أفكاره الجديدة. اللعبة مستمرة إذن. لماذا حضرته شجرة اللوز و قصيدة محمود درويش من جديد؟ صوت داخلي يستحضر ترجمتها الفرنسية التي حفظها عن ظهر قلب. تمنى لو أن صوت إديث بياف غناها في لحن رائع و خالد. لكن الواقعية لم تغب عن أمنيته. فقط أنه يجهل لها حقها في الحضور و الاحتجاج و الغنج كذلك. نشوته في هذا السفر الجديد و الجميل. هي باريس، بلد الجن و الملائكة، لكنها هي كذلك ابتسامة شارلوت الرابضة في فؤاده.