جميل و صحي أن نجد مثل هذه التدابير المعقلنة. لكن، هل استطاعت ان تحدث التغيير المنشود في فك الحصار الثقافي و إنهاء الإقصاء و التهميش الممارسين على المثقفين، و على مكونات الثقافة الوطنية ككل؟
في محاولة للاجابة على التساؤلين، اختراق لزاوية عميقة من واقع الثقافة المغربية، و لدروب مظلمة من اركانها المهملة. تنشد الثقافة الديمقراطية تعميم الاستفادة من الحضور و الافادة. و سترتبط بالسياسة العام للبلاد و البرمجة المخططاتية و الميزانية المالية الموجَّهة للقطاع.ـ
يأتي الجانب الإعلامي الذي يترجم هو الآخرمدى التغطية الديمقراطية للأنشطة الثقافية و تداولها محليا و إقليميا و وطنيا و دوليا.ـ
ثم سنتحدث عن البنية التحتية التي تحضر قبل هذا و ذاك، و عن مدى وجودها و تقديم خدماتها لكل فئات المجتمع.ـ
البنية التحتية ـ التجهيز ـ التمويل ـ الإعلام ـ البرمجة التخطيطية ـ سياسة القرب...، كلها عناصر أساسية لابد من حضورها حتى نتحدث عن ثقافة ديمقراطية و عن خدمات ديمقراطية للثقافة.ـ
لقد تأسست جمعيات ثقافية في بلدات و مناطق متوزعة عبر ربوع الوطن. و تميزت بتنوع اهتماماتها و اهدافها. كما أعلنت عن تعرية الواقع البيئي و الثقافي و التنموي العام للدوائر التي ظهرت فيها. و يمكن اعتبار ذلك مؤشرا لرصد الواقع الثقافي العام لربوع الوطن. يمكننا قراءة التقارير و البيانات الصادرة عن جموعها و لقاءاتها، لكي نستنتج واقع التهميش الذي تعانيه الثقافة المجتمعية و مكوناتها المتنوعة ...ـ
و هو وضع سياسي ارتبط بهاجس سياسي و اعتبار ايديولوجي مارسته الدولة عبر عقود. خلقت معه سياسة مهتمة بالمركز و مركزية السياسة، و همّشت معها باقي النواحي و جل المحيط. كان الامر في جل الميادين، ما دام الهاجس الامني يتجلى في الدفاع عن النظام و محاربة كل معارضة و اقصاء كل اختلاف. ـ
سياسة تهميشية تدل على غياب الديمقراطية الخادمة للمواطن. و ستكون سياسة ثقافية خادمة للمركز و للسلطة و للنظام. ستسخّر لخدمات هذه الجوانب كلّ الامكانيات، و ستصبح ميزانيات الصرف و تدابير الخدمة اللوجيستيكية بدرجات أرفع و أرقى، تبين إمكانيات هائلة تتوفر عليها الدولة. كما تبين المفارقة بين حياة بذخ للجهات العليا و حياة بؤس و فقر و تهميش للفئات المستضعفة. و سيتمحور و يتخندق المواطن العادي داخل التصنيف الثاني، لنتحدث عن فقر و بؤس ثقافيين بامتياز يعيشهما المواطن المغربي.ـ
حينما تكون المفارقة بهذا الحجم من البون بين فئتين، و بين مركز و محيط، سنتحدث حينئذ عن الريع الثقافي مثلما نتحدث عن الريع الاقتصادي و الخدماتي العام. و مشكلتنا أننا نحتاج إلى فتح كم من قوس لتجلية الأمور و إزاحة حلْكة العتمة التي تحجب الحقائق و تعرِّف الأشياء و تسميها بمسمياتها. ذلك أن درجات حرية البوح و القدرة على التعبير عن الرأي الصريح لا زالت مطمورة في جوفنا بدرجات خوف و هلع بنيويين أصبحا مهيكلين في سلوكنا الذهني و منبهين لدرجات الخطر التي تهدد الحياة و الوجود و الأمن داخلهما.ـ
وحدها الثورات الكبرى قادرة على هذه الصرخة المفجرة لبراكين متقدة حقائقها و تنتظر الانفجار العظيم.ـ
وحدها التربية الجديدة على قيم الديمقراطية و المواطنة و دولة الحق و القانون و المحاسبة والمكاشفة و المتابعة، قادرة على أن تكون بديلا سلميا و ناعما عن هذه الثورات. و إن كان التغيير يخيف المستفيدين من أشكال الريع كيفما كان لونه.ـ
لعل مستويات التناول متشعبة و متعددة. و منهجية تحليلها تحتاج إلى ترتيب و تصنيف و تبويب دقيق.ـ
هكذا سينزل التحليل إلى إعطاء المثال بالتمظهرات المحلية و كذلك بالتأثيرات الدولية على السياسات العامة للبلاد و على التفاعل الجديد الذي خلقه داخل الحياة و الوضع الثقافيين.ـ
ـ1 التمظهرات المحلية الدالة على وجود حصار ثقافي و انتفاضة فكّه والخروج من العزلة و التهميش إلى الحضور و الفعل المتميز إبداعا و تعبيرا و مشاركة...ـ
ـ2 التأثيرات الدولية و الثورة التكنولوجية المعاصرة و الخدمات الرقمية التي ساعدت على تشرنق الفرد و الجماعات و خروجهم من حصار المركز الصغير للاحتفال بالانتماء العالمي و العولمي.ـ
ذان عنصران يحتاجان إلى تفكيك مضيف في تناول الوضع الثقافي الجديد و مدى قدرته على فك الحصار و الخروج من قبضة الايديولوجيا الحديدية بسلاسل السياسة المقيدة.ـ