المفترق السياسي..
استيقظ الذهن هذا الصباح على ما تراكم من افكار وأحداث... حول تحولات وجهات النظر التي رافقها الاعلام بوسائله السمعية والبصرية والمقروءة...استحضر مرحلة تاريخية مهمة مرت في تاريخ المغرب،ومجيء مرحلة جديدة.... وإذا كان عقل المؤرخ،فإنه لا يرى الراهن بما فيه مستقلا،بل بما سبقه وما يؤول اليه من أحداث ووقائع...
أراد العقل أن يفكر بطريقة تقدمية،معتبرا التقدمية نظرا الى ما هو أرقى وأجمل في الحياة،عدم سقوط في أخطاء سابقة أو عدم معاودة نفس السلوكات والسياسات،وعدم إفراز نفس العقليات... كلها دلالات تحملها التقدمية بشكل سوي وصحي،يخرجها من كل توظيف إيديولوجي يصنف اليمين واليسار ... إنما هو الآن تصنيف في الصف الديمقراطي والقانوني والحقوقي الذي ينطلق من النيات الصافية المنبني على قيمٍ تُقلص من الدسائس واصناف الكذب وتصفية الحسابات داخل عالم السياسة ... في تقويم لمرحلة سابقة، وفي انتظار للآتية،لا أمتلك إلا تقويم تجربة تنظيم حزبية ونقابية... وداخلها اسجل أن العمل المنجز،كان داخل ثقافة وعقلية مغربية متفاعلة مع تاريخ الافكار والصراعات الحضارية والايديولوجية المتراكمة في االنصف الثاني من القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين ... كما أن العمل المنجز، كان داخل حراك سياسي واقتصادي واجتماعي واخلاقي عام، جرب حقبة وخرج منها بما هو عليه الآن،وكما نقول أن الواقع لا يرتفع،فهذا ما هو عليه الحال الآن...
إن تجربة التنظيم بينت على أنها تجربة بشرية محضة،لا قدسية أخلاقية لها وللبشر داخلها... تجربة انتقدت الواقع، فأفرزت شخصيات جدلية مع هذا الواقع، تريد تغييره،تتبنى منظومة مغايرة للمنظومات المجربة لحد الآن في هذا الواقع، تمتح من نماذج مثالية أنتجها الفكر التاريخي والديني، كما تمتح وتأخذ الشرعية في كونها تنتظر حظها وحقها في التجريب وليس في التحقق فقط ... ومادام العقل سياسيا، فهو لا بد أن ينظر إلى الواقعي، ليرى ما يمكن تحقيقه مما لا يمكن تحقيقه ... ولعل الخطاب مع اقتراب المسؤولية الآن، بين الاقتراب إلى الواقعية النسبية والابتعاد عن المثالية المطلقة...
تُعتمد الثانية سياسيا في الخطابات الجماهيرية وفي مراحل التصعيد في المعارضة ومنابرها المؤسساتية.كما تُعتمد الاولى حينما نُقلَّد مناصب ومقاليد المسؤولية التي تدعونا لجر العربة بثقلها وأعطابها. وحينئذ يكون التقليص ومراعاة الظروف والاكراهات، والدعوة الى العون في فك الاعطاب والدفع بالعربة الى الامام...
إن حياة الشعوب تمتلك قانونا زمنيا وتاريخيا متفاعلا مع السياسي... لكنها تمتلك حدسا يجعلها تميز بين زوال السياسي وبقاء المجتمعي العام والخاص، ثقافة واسلوب حياة... فكم من نظام سياسي مر بالحكم والسلطة وافل، وبقيت الشعوب لحالها ولريح الحياة الآتية بعواصفها ومزنها وغثائها..
من كل هذه المنطلقات،ننزل إلى الواقع المعيش المغربي،فنسجل على أن الجسم السياسي الذي توافق الحال تقلده المسؤوليات،عاش بنفس آليات الصراع ومنطقها الماضوي،لا فرق بينه وبين الاحزاب والنقابات الاخرى... فداخل التنظيم كانت الصراعات وتصفية الحسابات، وممارسة السياسات التحولية المفاجئة، والتي تدخل في الدهاء السياسي ولا تدخل في البناء القيمي والايديولوجي الحزبي والنقابي...
كانت الانشقاقات،وكانت الزبونية،وكانت الانتهازية،وكانت التناقضية الانفصامية،وكانت الممارسة الاقصائية،وترويج السلعة على حساب بوار سلعة الآخر...
حينما نستحضر فكرة التقدمية، فإنها محاربة لكل هذه الاشكال المَرَضية التي سادت.. ونقول بأنها سادت مع تجارب كل التنظيمات الحزبية والنقابية السابقة، ولا زال "لوبيوها"و "لوبياتها" في الممارسة التعسفية داخل الحقل المجتمعي المغربي...
فهل ستعمل المرحلة الراهنة على تغليب الديمقراطية المتفق عليها بمبادئها، ومحاربة هذه السلوكات في السياسات العامة والخاصة وتصرفات الاشخاص؟
هل سنخلص الوزارات والادارات من النفوذ الاستحواذي والاقصائي لأجسام نقابية و انتهازية حزبية، ليكون المنصب وأداء العمل بمعايير موضوعية عادلة مرتبطة بالكفاءة وأداء العمل، منصفة في التقويم والترقية والتنويه؟ أم إننا سنرى بعين إيديولوجية لها الوانها الخاصة وطعمها الخاص ـ فقد راينا بعض الوزارات تلونت في لباس موظفيها وديكور مكاتبها ،وتوظيف مستخدميها وأطرها .. بلون الحزب الذي ينتمي اليه الوزير والمسؤول الكبير وكذا قبيلته واسرته وهلم جرا ومنفعة.. ـ وما سواها لا قيمة له ولا اعتراف به؟
سنرى تحولات مجتمعية حربائية ـ بالنظرة السياسية وليس الاخلاقية ـ تتلون هي كذلك شكليا مع خطاب مرحلة ومنظومته المرافقة له...وكم من لحية ستطول،وكم مسك سيعم...ـ سنرى هذه التحولات تماشيا مع المصالح الشخصية وحفاظا عليها... لكن هذه الملاحظات تربوية سلوكية،قد تكون عرضية وشكلية الآن بالتصور القنوني لها، ليست هي الأهم بمفردها... الأهم الآن هو ملفات الفساد التي اتخذت صبغة قضائية، وأخرى في انتظار طرحها على ميزان العدالة والافتحاص والاختبار... وكلها ملفات ينتظر منها المجتمع محاربة ظلم ومعاقبة جرائم مادية ومعنوية رمزية في حق المجتمع و الوطن ... ينتظر منها المجتمع استرجاع الاموال المنهوبة، وإعادة العدالة الى المساواة والاستفادة الوطنية من ثروات البلاد ...
ملفات فساد جعلت الاقتصاد ريعيا،فئويا،جائرا،زادت الغني غنى والفقير فقرا،ونصبت لصوص الامة كاعيان جدد... وهنا التقسيم ليس ماديا،بل اجتماعيا وثقافيا قروسطيا ومخزنيا وسلطويا... وينتظر المجتمع التصحيح التاريخي ومحاربة الانتهازية والوصولية والتخندق المخزني والسلطوي.... فهل ستسلم المرحلة من تسلقات الاشخاص والعائلات....؟ملفات فساد،ستجد لوبيات واقفة ضد كل تغيير وإصلاح سياسي جاد،معرقلة كل تصحيح إبعادا للفضح وحفاظا على الامتيازات والمصالح... فهل ستقدر المرحلة على كسر العود الحديدي المتصلب و المعرقل لسير قطار التنمية العادلة؟
هكذا يتحول التحليل الى الحديث عن أخلاق السياسة وليس اخلاق الافراد.. فالمشكل في السلوك العام وليس في السلوك الشخصي، حتى لا نقتصر على الاهتمام بالفرد، فنبحث عي سياسات قاهرة لحريته ومواطنته واختياراته،حتى نمارس سلطة استبداد جديدة على الافراد ونُعَيِّشَهم في الشعور بالاثم بدل المبادرة للفعل الايجابي الجديد... ونحن في نفس الآن ، نغض البصر عن اللوبيات الخفية في الاقتصاد والسياسة والادارة والمؤسسة...
سؤال المواطن الآن:
هل سنرى تسييرا موضوعيا خاليا من تصفية حسابات سياسية ونقابية؟
هل سنرى حكامة فعلية على مستوى الواقع في ضبط الزمن والعمل والانتاج والمكافأة العادلة ومحاربة هدر الوقت والمجهود،وتخليص الحياة الاقتصادية والخدماتية من الاستغلال عن طريق الرشوة واستغلال النفوذ والاغتناء بالمال العام؟
هل سنرى استرجاعا لهذا المال العام،ولحقوق المواطنين المهدورة بسوء استعمال وتحيز لجهة متسلطة...؟
هل سنرى ديمقراطية تتجه نحو الاداء والعمل وترك الحكم للمواطن في صناديق اقتراع مستقبلية،لكي يختار هو من الكفء في الثقة والتسيير وتقلد المنصب المناسب؟
هل ستتخلص المرحلة من الاستغلال الحزبي لمناصب الدولة والنقابي لتبعية موظفيها،وبالتبع جعل المكافأة والترقية والتصيب بحسب اللون الحزبنقابي كما في تجارب فاسدة سابقة؟
هل سيصرح المسؤولون بممتلكاتهم قبل تقلد المناصب ويتبعون شفافية في محيطهم مع وسائل الاعلام حتى لا تتغلب على عقولنا وعقلية الانتهازية التي ربتنا عليها مرحلة سياسية سابقة؟و تستمر التساؤلات التي تنتظر الجواب في الواقع العملي وليس في الوعود الانتخابية،أملا في مغرب غد يعيد الثقة للعمل السياسي الديمقراطي،هذا الأمل الذي أضعف المشاركة في انتظار ما يأتي!