الخطاب المنفصم:
بين جريمة وجه عروس وجريمة فيلا المنزه
يتناول هذا العنوان ثقافة خفية تحكم سلوكنا التداولي الخطابي والإعلامي.كما تحكم مواقفنا وطرق معالجتنا للأحداث والوقائع.
الغريب في هذه الثقافة المزدوجة المتناقضة أنها تلعب لعبة ثعلب محمد زفزاف الذي يظهر حينما يريد ويختفي حينما يريد.
سننطلق من قصاصات أخبار تداولتها الجرائد الوطنية،وهي متعلقة بملفات جرائم وأحداث جنحية وأخلاقيات اجتماعية عامة. ربما هي مادة تشويقية وتسويقية في نفس الآن. فجمهور القراء يميل بحسب مستواه الثقافي وبحسب درجة تعميره المقاهي،يميل بين ملأ الشبكة" و "السودوكو" إن كان يتقنهما،وبين تتبع غرائب الأحداث التي قد تصل إلى ردهات المحاكم ومخافر الشرطة.ما دامت أخبار الناس مادة دسمة في النميمة والقيل والقال وقتل النفس الجامحة والعاجزة في دواخلنا... إنه الفراغ الذي يعيشه المواطن،فيستنبت داخله طفيليات الكلام.. واستعمال الحواس.. نضيف إلى هذه النقطة،أن الجرائد لمست على أن رقم مبيعاتها يتحسن من خلال الاهتمام بهذه الملفات وهذه الجرائم وأخبار المحاكم..وبالأمس كانت تنتقد جرائد الرصيف،الآن غزت هذه الصفة جل الجرائد،إلا ما رحم ربي من صفحات....
الملاحظة موضوعية،ليس فيها مشكل،ما دامت متعلقة بتراضٍ في عرض وطلب نسبيين.وكان لابد من تناولها قبل الدخول في تشخيص مرض أصبنا به في ثقافتنا. وقبل أن نحكم عليه بالانفصام الخطابي والثقافي،نحاول تتبع جوانبه في التناول الإعلامي وبين ألسنة الناس،وفي المعالجة الأمنية والقضائية.... وربما حتى المواقف الدبلوماسية التي تمثل السياسة الحكومية....
ـ كم من حدث ضبط ليال فساد وخمر في فيلات سياحية أو فيلات إقامة،كان فيها خليجيون،يتم طلب رحيل الخليجيين،وبحسب حظوظهن،غالبا ما تتابعن بتهمة فساد.ودرجة التساهل والصعوبة حاضرة في كل حين. لما نلاحظ وسائل الإعلام،والصحف ربما وحدها تشير إلى الحدث على سبيل تشويق المسلسلات وتسويق عدد المبيعات،لكن لا متابعة تحليلية سوسيو ـ ثقافية،ولا متابعة للمسار القانوني والقضائي،ولمدى نزاهة التعامل مع الملفات،ومساواة الموطن المغربي مع غيره فيها..ناهيك عن مدى حضور المجتمع المدني للمطالبة بالمساواة وتطبيق القانون...
ـ كم من حدث ضبط لحالات شذوذ جنسي بين أجانب مسنين ومراهقين وشباب.وتتم الإشارة إلى وقوع جرائم قتل أو سرقة أو اعتداء بسبب هذا الانحراف وهذا الاستغلال في اكادير أو الجديدة أو البيضاء أو مراكش أو مكناس.. و لا احد يقف عند هذه الظاهرة من جوانبها السوسيو أخلاقية وتربوية،أو السوسيو اقتصادية وقانونية...
المفارقة هنا،نسجلها من خلال نموذجين للأخبار المتعلقة بجرائم فساد وقتل.
الأول: متعلق بتلك الأسرة المغربية التي قتل فيها الأخ أخته المعيلة السخية للأسرة،وقتلت الأم ابنها وأخ بنتها،الذي حرم الجميع من النعمة.. وننظر كيف شَهرت الصحف وتسابقت على نشر الصور الحقيقية لأفراد الأسرة،كمادة غنية للتداول بالألسن والألفاظ بين فضوليات المقاهي والبيوت... كيف تعمقت التحاليل المُدينة للجرائم،دون مراعاة الجانب الإنساني الخاص بالكرامة والظروف القاهرة التي أنتجت الجريمة والتي تكون خارج الإرادة،وفي نسبة منها هي نتاج موضوعي لواقع اجتماعي واقتصادي ومادي وثقافي،حتى إننا في بعض الأحيان نلوم الواقع والمجتمع قبل لوم الفرد فيها...
الثاني: متعلق بجريمة قتل فرنسي،وهو رجل تعليم متقاعد ومقيم بالمغرب.كيف ركزت الصحف في حديثها على الطرف المرتكب لجريمة القتل دون أن تشير إلى الطرف الضحية في جريمة القتل.فكانت عناصر الخطاب متراكمة لجمع مادة تحلل وتدين القاتل،دون وجود مادة تحليلية تفسر لماذا وقعت الجريمة؟وكيف يعقل أن يكون رجل تربية متنورة فرنسية واقعا في ممارسات فساد يخترق ويمزق المجتمع وشخصية أفراده...؟
وأطرح هنا تساؤلا على الصحف وعلى ثقافة الناس في التعامل مع مثل هذه الأحداث:لو كان رجل تعليم مغربي،ممارس لهذه الأشكال من السلوك،مستغل للمراهقين والشباب،متصيد لهم في مرحلة عمرية كانوا فيها قاصرين قبل ان يبلغوا سن رشد منحرف سلوكيا وأخلاقيا،سن رشد متورط في إدمان،مستعبد لأجل هذا الإدمان وشهواته...، كم سيسيل لعاب الألسن؟كم سيسيل المداد؟كم ستعلوا المنابر الأخلاقية المستغلة للقضية سياسيا وإيديولوجيا،مغطية حقيقة الواقع التردي بشجرة منخولة من كل شيء؟
لا أظن أن خيال القارئ يغيب عنه ما ينتج عن هذه الافتراضات.... أذكر فقط بكم من قضية تورط فيها ذوو جاه وقوة،ولم تستطع وسائل الإعلام التشهير بصورهم ولا تعميق البحث في حيثيات قضيتهم... وهنا ثقافة جمعية مشتركة بيننا كمغاربة،متعلقة بعقدة الأجنبي،إن كان غربيا فهو المتحضر المتنور ولو بشذوذه وانحرافه،فتلك ربما نِعمالحرية عنده، وإن كان خليجيا فهو صاحب المال الذي يكفي النظر لعمامته حتى نحلم بآبار البترول والدولار وامتلاك الكون والمدار...
لعلنا نشترك في جريمة ثقافية حينما نتساهل مع هذه الملاحظات.لعل خوفنا على مدخول سياحتنا ورضا الأجنبي عنا،يجعلنا متساهلين مسطريا وإعلاميا مع هذه الأحداث.
وما لم يقل بالمباشر،فقد قيل بغير المباشر بين هذه السطور...