الديمقراطية ـ الثقافة ـ التنمية:
الديمقراطية ـ الثقافة ـ التنمية:
في مناقشة الأستاذ عبد اللطيف اللعبي حول ميثاق وطني للثقافة أو ميثاق الثقافة المغربي المرجو، مجموعة من الأسئلة والتساؤلات تطرح،لا تتعلق بالحكم بالمصداقية من غيرها على فكرة المشروع،إنما تتعلق بطرق الإنجاز ومجال تحقيقه والمعني به....
لعل العنوان أضاف عنصرين ليسا بغريبين على حقل الثقافة،بل ربما ملازمين لها،ألا وهما الديمقراطية والتنمية،اللذين سال حبر كثير حولهما،ورقنت كلمات غزيرة متعلقة بهما.ولِمَ لا،ما دام الواقع جدليا متناقضا،استغلت شعاراتهما وامتطى جواديهما من خاطب ثقافيا ونادى منادى عليه لأجل سماع حكيه،وكان فارسا مثقفا وُضِع الوسام على صدره،فتفنن في القول وأبدع في النظم،ومضى بجواده تاركا النقع في ساحته،آخذا ما جاد به صندوق أكياس... ما دام قد رضي بخدمة ألوان أحزاب وأبواب... والجماهير الهاتفة خارج الأسوار منتظرة حقها من لون لوحته ،ووعد تنميته،وعدالة ديمقراطيته....
هذا الوصف لثقافتنا التاريخية،وواقع أمتنا الحالية،وما يُشان به بعض مثقفينا،وما يضعف مصداقية خطابنا عند حكمائنا وجهالنا... ما دام شعار المثقف قد وصله ، هذا المواطن العادي جدا ، في الحملات الانتخابية، إلى داخل حقله،ورجلاه عالقتان ـ فلاحنا ـ بتراب حرثه، وعقله فارغ إلا من ترقب شروق شمس و ما تحمله الريح من غيم ممطر...
هل نقول إن فشل المشروع الديمقراطي وتعثر التنموي قد أفشل المشروع الثقافي وسلامة وتيرة التنموي؟
هل ما لوث الثقة في البرلماني والممثل البلدي والمال العمومي والتراث التاريخي،يلوث كذلك صورة المثقف وخطابه؟
ماذا سيكون دور هذا المثقف في تطهير الديمقراطية والتنمية؟ في تصحيح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
كيف سيجعل الثقافة هَماً متساويا مع هَمِ الخبز اليومي؟هَماَ يربي الذوق ويجعل صدق الألوان وصحة الصورة والمصداقية للعبارة والجدوى من كل حركة؟
هل ينتصر المثقف للقضايا الكبرى التي تخدم الإنسان والتاريخ؟هل سيطلب التصحيح للأخطاء والموازنة بين كفتي الميزان؟لمن هذا الميثاق وهذا النداء؟ هل لأجل الطبقة المثقفة؟أم لأجل الأمة المنتظرة؟
ما دور فكرة ومصطلح الانتلجنسيا؟ما تأثيرها على القرار؟ ما مدى مشروعية صوتها وقوته؟هل سنجعل سلطة ثقافية إلى جانب السلطات الثلاث الأخريات؟
أسئلة لا تنقص من المشروع ـ الميثاق،إنما تعمق المناقشة له ولفحواه ومبتغاه.ذلك أن الواقع المغربي لُطِخَ واديه،فاختلطت مجاريه ولم يعد صفاء فيه.نعيش أزمة قيم حقيقية،وأزمة ثقة ملموسة.نمارس الكذب ونتلون بالنفاق.. وهذه حذلقة تخلف شكلت طبقات اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة،تغتني وتهتف وتتراقص بطعم هذه الحال وهذه الأزمة وهذا الواقع المتردي بها. طبقات تأكل النعمة كما يقال وتلعن الملة...
من سينخرط في المشروع؟من تخلى عن المبادئ واغتنى بالمنصب؟من يريد امتطاء جواد خشبي جديد ليعاود ويتحايل على البشر؟حتى إن صناعة الثبات وضبط الحواس طلسم يدوخ به الناس....
هذا شعور الناس،ورد فعلهم إذا سمعوا كلمة المثقف.هذا مبرر الذين لا يريدون تغييرا.هذا انتظار الوصوليين الذين مثل سماسرة المنازل والسيارات، في كل مفتاح يريدون نصيبا أو ثمن قهوة على الأقل.
و بالمقابل، هذا هَمُ حاملي الضمير الذين لا يرضون بهذا الواقع المرير والوعي الشقي الذي لا يتركهم في هناء سرير....
هذه ساحة المشروع بكل تناقضاتها وعراقيلها وما يلوث بيئتها... وما لم يذكر كله،ذكر بعضه... إنما لابد من التفكير بجدية في المشروع.إنما لا بد من تطهير ساحته من تشويشات الربوع.وتحية لكل فكرة ميثاق للثقافة كمشروع.نتمنى أن يبدأ في الشروع.
وكما قال الدكتور الجابري،لابد من تنظيم الفوضى قبل بداية مشروع نظام جديد.
تبقى الإشارة في الأخير إلى أن فكرة الميثاق تلزم الجميع بالحد الأدنى المتفق عليه.حيث مستلزمات التنمية الثقافية مفيدة للإنسان في نهاية المطاف كيفما كان انتماؤه أو مكانه وطبقته...
فما هي القيم التي سينبني عليها هذا الميثاق؟
اي عنصر بشري معني به وبالالتزام به؟وكذا المؤسسات؟أي التزام قانوني يفرض احترام الثقافة والمثقفين في إبداعهم وحرية تفكيرهم؟ ما هي الضمانات المادية والمعنوية سياسية منها واجتماعية وغيرها التي ستفعل الميثاق على ارض الواقع؟
أظن هي مجموعة من الأسئلة تحتاج إلى مزيد مناقشة وتفكير حتى يكون الميثاق خصبا منتجا فعالا.....وتحية ثقافية