الخوف الهرمي
إنه ليس خوفو الاسم الفرعوني.وإن كنت لم أبحث عن معنى هذا الاسم المصري القديم،فربما هناك علاقة.
هو حالة نفسية مشعرة بتهديد خارجي،مستنفرة لميكانيزمات بيولوجية ولبنية التكوين الشخصي المادية والمعنوية.تُثار جوانب مُحذرة،تُنبه العقل وتزيد في ضغط الدم ونبض القلب الطبلي كصفارة إنذار وسرعة استنفار.
تهتز الأركان وترتعش الأعضاء،فتصبح قشعريرة وارتعادا،حالة زهايمر مفاجئة،حتى إن الركبتين قد تخران أرضا،فلا تقدران على على الحركة،أو قد تستعجل العدْوَ والفرار بالجلد...
أوهو صراخ يستنجد به صاحبه بكلام أو أصوات رافضة للخطر...
هل سيكون الخوف لازمة وجودية للإنسان كما هو للكائنات الحية،فحتى النباتية لا ندري لها حالتها النفسية لنتكلم عن رد فعل الخوف في سلوكها... لكن أكيد لها حالات استنفارها وتجنيدها لميكنازمات دفاعها كشجر الميموزا مع سرب طيور كاسحة أو حشرات هاجمة وهل سنسميه خوفا؟ربما.
تبحث الإنسانية عن قيم الأمن والسلام والاستقرار،تجعل بنيات وطبقات من القوانين الملزمة والأخلاق المقتداة والتربية الموجهة،لكن في إطار الواقع،نجد حركة ثقافية وسلوكية فردية وجماعية تتفاعل مع ظاهرة الخوف.ذلك أن الواقع ليس مثاليا بالموازاة مع المبادىء السامية.الواقع صراع وتناقضات،سلم وحرب،سلامة وجريمة،احترام واغتصاب...فيتحول الخوف من خوف فردي إلى آخر جماعي،تعيشه كل جماعة بحسب درجة اشتراكها في قضية مستدعية لصيانة الذات الجماعية وحمايتها مما يهدد سلامة مشتركها الذي ترغب في الحفاظ عليه.
هكذا،فمن البناء الحضاري الذي نجد داخله الشعور بالانتماء لمشروع وأمة،والذي يتخذ شكل مواجهة مع حضارة اخرى،فنتحدث عن الصراع الحضاري،إلى جماعات متجاورة بحدود دولتين أو مجال جغرافي لقبيلتين،أو تواجد ثقافي وعرقي لجماعة بين جماعات داخل مجال عيش مشترك وطني أو إقليمي أو داخل قرية أو مدينة.... يحضر فعل الخوف عاكسا ما ترغب فيه الجماعة وما تخاف على فقدانه،عاكسا درجة الاحتكاك والتجاور والتنافس وما تصير إليه في لحظة من اللحظات... فيتحول هذا الخوف إلى إجراءات وقرارات وردات فعل متفاوتة في التدابير بين الأمن والتخويف ورد الخوف بالخوف...
إذا انتقلنا للفرد، وجدنا الخوف بين درجة الطبيعي والمرضي.وجدنا ثقافة تتعامل مع الظاهرة بحسب الحاجة إليها او الابتعاد عنها.
فالفرد مركب علاقات متفاعلة مع أفراد وجماعات ومؤسسات وسلط وإدارات... هذا المركب يحتاج إلى آليات تعامل ودفاع مع كل هذه المكونات.هذا المركب يبحث عن منطق مركب داخل شخصيته،يحقق التوازن في كل هذه العلاقات،وخارج شخصيته يلمس السبيل الآمن في التعامل معها...
إذا انتقلنا إلى واقع حياتنا،وقربنا الصورة الثقافية والموضوعية المرتبطة بالظاهرة،نجد عوامل تتحكم في تواجد الخوف حتى يصبح عاملا سلبيا مرضيا،محبطا للهمم،مُفشلا للعزم،قاتلا لروح المبادرة والابتكار،مفقدا للثقة في الآخر وفي الذات وفي المؤسسات،بل حتى في الهيئات المنظمة للسلط وتسييرها ووظيفتها.
قد تأخذ حكمة اجتماعية بسيطة،سلاح الفرد داخل هذا الواقع: اللي خاف نجا/ من خاف نجا،فتلاحظ درجة من الحذر والحد من روح المخاطرة أو المغامرة،من روح المبادرة أو الفضول في العلم والتجربة... فتكون الحكمة إيجابية في بعض جوانبها حين تقي من الشرور،سلبية من نواحي حين تقتل روح التجربة والمعرفة والمبادرة والابتكار...
إذا اعتمدنا الوصف السريالي،وجدنا وصفا مضحكا عن واقع أليم تعيشه نفسية وشخصية المرء داخل مجتمعاتنا.نقول فلان يزن سبعين كيلوغراما ماديا،لكن يزن طُنَين خوفا.فهل هناك ميزان يقيس الخوف؟ لقد ابتكر الفنانان(بزيز و باز) آلة سحرية سخرية تقيس الكذب، حتى درجة الانفجار،وها هو الوصف السريالي يخترع آلة تقيس الخوف،ولكن حتى درجة ماذا؟ أعلم أن شخصا ارتعش من مرور سيارة الدرك،فارتعد خوفا وسقط على جانب الرصيف فمات ومات معه خوفه. ولعل هذا الوصف سيساعد المختصين لمعرفة الدرجات القصوى للخوف وللأمراض المرتبطة به،حتى يسهل عليهم معالجتها والتحكم فيها.
ماذا عن الخوف الهرمي؟ حينما نأتي بنسبة إلى هرم،هرمي،يعني بناء متصاعد،طبقات متراتبة عموديا صعودا ونزولا،متحكمة من أعلى إلى أسفل،مشعرة الخوف من أسفل إلى أعلى...
دائما في ارتباط مع الواقع،يحضر الخوف صعودا،فيبدأ بالأفقي هرميا ثم العمودي هرميا كذلك. تخاف من الفقر والجوع والبطالة وفقدان السكن والوظيفة.تخاف من الجريمة والسرقة والعنف المادي والمعنوي.تخاف من التلوث وحركة المواصلات،وصفارات المراقبة المختبئة والمتصيدة.تخاف من لوبيات الاحتكار والاتجار.تخاف من نصب واحتيال،وإشهار مزيف يوقع في الإفلاس .تخاف من ظلم ضريبة او فاتورة منفلتة عن ضبط في المحاسبة،خصوصا وان ميزتنا نحن هي (خْلْصْ عادْ شكي).تخاف من رشوة تبرئ الجاني وتتهم البريء.تخاف من عربون دفعته،فتاهَ ساخرا على ومن صاحبه بين أيدي قذرة تستغل الثقة وتوقع بالغفلة.تخاف من جهلك للقانون حيث لا يعذر أحد بجهله للقانون... الم اقل لكم عن قياس الخوف بالأطنان.هذه بداية الوصف لقاعدة الهرم الخوفي.فماذا وكيف سيكون الوصف إذا صعد هرميا هذا الخوف؟والخوف كل الخوف من مآل الآخرة.
يعطي جورج لوكاتش في كتابه (تحطيم العقل) صورة
عن البناء الهرمي للخضوع في الحكم الديكتاتوري الاستبدادي كالحكم النازي مثلا،فيفسر طاعة الأوامر وتنفيذها بدرجة خوف مركب يبنى بإتقان من طرف الطبقة الهرمية التي تعلوك،وهكذا حتى قمة الهرم.يبنى على من
هو أدنى منك،تفتح له طريق الفساد والرشوة فيتحول من موقع قوة إلى ضعف،ومن موقع ثقة في النفس إلى خوف،وهكذا يصبح التحكم في البناء الهرمي بفضل هذا الخوف الهرمي النازل من فوق إلى تحت متحكم في جسم مركب
تظنه سالما وهو معتل منخور....
نحتاج إلى تصفية حساب مع هذا الخوف المركب ،حتى نحافظ على الطبيعي ونتخلص من المرضي.فما الذي نحتاج إليه من المختصين؟وما هي العيادات التي يجب ان تكون مختبرات لمحاربة هذا الخوف المرضي؟حتى يخرج من جديد
مواطنا معافى،مبادرا،مبتكرا،مساهما في سعادة هرم الفرد والجماعة؟