ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في متابعة خيوط تجلي الكبت وعلاقته بازدواجية الشخصية،ربما لزم الاحتياط من تحميل العلاقة أكثر من اللازم.لكن، لنا في درس تاريخ الأخلاق ـ سواء في حقلها الإسلامي أو الفارسي ـ الهندي أو اليوناني... ، وكلها أسرة للتربية الأسرية ،نواة مجتمعات القرون الوسطى وامتداداتها الحالية الآنية ـ ملاحظة التلازم والتكامل بين الأخلاق والصفات، ما دامت تبلوراً ونتيجة تقييمية وقيمية لأفعال وسلوكات الناس،مادامت أفعال الإنسان تبلورا لتكوين شخصيته المركب،تبلوراً لتأثيرات متشابكة يفعلها المحيط والبيئة والمجتمع والثقافة... هو تلازم يجعل حرارة التأثير كالخيوط الالكترونية المتبادلة التأثير والوظيفة..
هل مناخ الحياة السياسية يمكنه أن ينتج الكبت عند الفرد والجماعة..؟
هل مناخ الحياة السياسية يمكنه أن ينتج ازدواجية الشخصية؟
تبدو الصعوبة في الإجابة على السؤال الأول.أما الثاني،فلنا أن نقارن خطاب السياسي بين التنظير والممارسة،بين الشعار والواقع العملي،بين الوعود الانتخابية وما يتحقق من إنجازات.درجة الكذب من خطاب السياسي،حيث يكون كذبا فعلاً،حينما يكون هذا السياسي على وعي بأنه يعد بما لا يفي به،يتبنى ما لا يمارسه ولا يؤمن به داخليا.. حينئذ يكون كذبا.
ازدواجية الشخصية هنا،أقنعة يستعملها رجل السياسة حسب سياق ووظيفة القناع... ويكفينا أن يتأسلم اليوم،ويتمركس غدا هذا السياسي،دون أن يكون واعيا بأية علاقة تلاقي أو افتراق بين المنظومتين... قناع في باب المكتب، يتغير من أبيض إلى اسود لما يدخل لمكتبه،من استعطاف ومسكنة إلى استهتار وتهكم... ازدواجية الشخصية حين التلاعب بالقيم والمبادئ،وهنا درجة خطيرة من المرضية،تجتث مكونات وثوابت شخصيته،تجعله بدون كرامة داخلية، حيث لا احترام له لضميره وتربيته وثقافته وإيمانه،لااحترام للذات من طرف الذات،فما أدرانا بمن هو مسئول فوقه في السلم الإداري والسياسي... قد تُعيره فيحني رأسه ويبتسم،يُصرف اللحظة بما يسميه سياسة... وهنا نتساءل:ماذا صبر عليه؟ماذا قتله من خلايا داخله؟ماذا كهرب وكم وتر من إلكترون داخل مكونات شخصيته؟ماذا قهر ذاتيا حتى يتحمل القهر الخارجي الوارد عليه؟ هنا يقوم بكبت سؤال الكرامة وسؤال الحرية وسؤال الشخصية الإنسانية النبيلة... ولنا أن نرى مدى التذمر والوضاعة والخساسة التي تصبح عليها شخصية هذا السياسي(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميت فكرهتموه). هذا حال السياسي،مزج وجمع بين ازدواجية الشخصية والكبت والقهر الذاتي والقمع التدميري...
ليس السياسي وحده في هذه المعادلة،الإداري كذلك.والمواطن كذلك.فوضعية الإداري من وضعية السياسي تقريبا.إنما المواطن،وضع آخر وحالة أخرى من الازدواجية والكبت...
إذا وقفنا على مرحلة الانتخابات،شاهدنا داخل مجتمعنا المغربي في القرن الواحد والعشرين،مؤشرا على مدى التطور أو التخلف،الكرامة أو المذلة،الذي سنقيس به هذا المواطن ـ سيبقى مصطلح ومفهوم المواطن بين قوسين ،لأننا سنجد خللا في تشخيصه عند الفرد داخل مجتمعنا ـ، وذلك حتى نحلل سبب حضور ازدواجية الشخصية والكبت عند هذا الفرد.
في نسبة مئوية كبيرة،أصبح الفرد يربط التصويت في الانتخابات بالمقابل المادي.أكثر من ذلك،أصبح عدد أفراد أسرته الذين لهم حق التصويت،ملفاً للتفاوض من أجل ربح مادي خلال عملية الانتخابات. وفي صباح يوم هذه الانتخابات،كما ينتظرون يوم عيد الأضحى مرور الجزار لذبح الأضحية، تجدهم ينتظرون مَنْ منَ المرشحين في حاجة إلى أصوات.. هنا تبدأ ازدواجية أولى مرضية بين شخصية إنسانية في احتضار موت بطيء بداخله،حينما يجعلها مهانة بسبب شخصية سلوكية خارجية تبيع وتشتري في قيمه ومبادئه،في جوهر احترامه كإنسان اجتماعي له حصانة حقوقية ووجودية واعتراف قانوني دستوري معنوي.... لاشيء من هذه القيم يبقى صامدا حاضرا في هذا الوضع المُذل لبيه الأصوات... تجارة رق معنوي وليس جسدي،في الوقت الذي تطورت فيه الإنسانية إلى درجات الرقي التجريدي المعنوي الذي يبني هرم الكرامة الإنسانية العالمية،بمنظومة الدساتير الأخلاقية العالمية في كل المجالات من السياسية والحقوقية إلى البيئية والاجتماعية وغيرها...
خلال الحملة وخلال يوم التصويت،مع كل مرشح قناع وخطاب ووعود،كما أنه مع كل منتخب قناع وخطاب ووعود... فلتطربنا أم كلثوم بأغنية وعود.... عبث هي هذه الكرامة ،مرمية في اصطبل أو في قمامة...
وبعد النتائج،نصبح مع السبع كما نقول. كان عدوا بالأمس،أصبح أخا وحبيبا،نفاق في نفاق. إنه منطق المصلحة،وسحقا للقيم والمبادئ... سحقا لتطوير مجتمع نريده مؤسساتيا،برمجيا،محاسباتيا،حرا في الإرادة وفي الاختيار،مسئولا عن القرار وأسلوب العمل،متساويا أمام القانون،متكافئا في الفرص والحظوظ للاستفادة من الحقوق... هل نقسو ونقول :دعارة سياسية..؟ إذا كانت هذه الحالة تؤدي إلى تدمير منظومة القيم إلى درجة تصبح المادة داخل السر هي الهدف الأسمى في العلاقات وأشكال التواصل،إذا كانت الدعارة الجنسية أصبحت اقتصادا تتسع قاعدة الطبقة أو الفئة المستفيدة منه والمنتجة داخله،إذا أصبح رواج اقتصادي وسياحي مرتبط بهذه الدعارة الجنسية،وبمباركة وتزكية مدمري القيم من مزوري الانتخابات... فإننا لنا الحق ان نتكلم عن دعارة سياسية،إلا إذا قبل الضمير الوضع وارتاح له.فحينئذ سنسحب قولنا دعارة سياسية...
لكي نعيد لهذا الفرد تسمية المواطن،لابد لنا أن نجعله يستفيد من حقوق المواطنة،أن نصحح علاقته بمؤسسات الوطن،أن نطهر هذه المؤسسات من كل ما هو لا قانوني،لاأخلاقي،لااجتماعي.... أن نعلمه أن الحق ينتزع ولا يعطى،نعم.ولكن لماذا يحتاج الى هذه الدرجة من الانتزاع؟لماذا لا نتكلم عن الاستفادة من هذا الحق؟ ما العطب؟ما المشكل؟ من يَحُولُ دون حقوقه كمواطن؟
يصبح السؤال قانونيا وسياسيا.لنُعْط لهذا الموطن الحق والحرية في التعبير حتى يجيب ويعالج هذه الأسئلة المطروحة.من يحول دون حريته في التعبير والاحتجاج،بشكل قانوني منظم،دستوري يحميه القانون ويسمع له ضمير المسئول؟
هنا نجد حلقة وصل بين الحرية والحق في التعبير من جهة، وقمع هذه الحرية وهذا الحق في التعبير.بين الحرية والقمع،يتولد القهر،كما يتولد الكبت،فيتحول التصريف الصحي والسوي والقانوني والأخلاقي الى تصريف مُلْتَو...نتاج كبت أخلاقي وسياسي،يزاوج بين شخصية خائفية منطوية على إنسانيتها، وشخصية منافقة،مجاملة،كاذبة،متأقلمة حربائيا مع المصلحة ومع الخوف الخارجي ومع الظروف والمطلوب منها،بين العزة والمذلة،بين الكرامة والمهانة... هكذا يلتقي الكبت،وهو هنا ليس كبتا جنسيا،مع ازدواجية الشخصية في تركيب مَرَضي يعرقل الصحة النفسية وسلامة العيش الاجتماعي ونزاهة التحصيل المادي والاقتصادي وشرف الانتماء ونزاهة الممارسة السياسية ومصداقية الخطاب الثقافي والأخلاقي..