كتابات المفكرين و المثقفين العرب و المسلمين ، تشترك في محاولاتها الجدلية البحثية عن سبل التطور ولتقدم ... بين الصد للمد الزاحف بالخصوص من دائرة الحضارة الغربية ، الماثلة بحد سيفها و سحر تقنيتها و تنظيمها ، وبين الاحتضان لعناصر قوتها و تقدمها ... يحضر الاعتبار الشخصي و النفسي الذي يشكل الفرد و الجماعة ... كما يحضر الاعتبار التفسيري المتعلق بالفهم ، و الجانب التأويلي المتعلق بمعرفة طريقة التعامل مع هذا الآخر الذي زعزع الأحضان ، وأثار الغبار على السكون الراكد و العتمة الظلماء التي غلفت العقل و المجال الثقافيين عربيا و إسلاميا ...
ربما لا يمكننا الفصل بين ما هو سيكو ـ تربوي ، وما هو معرفي منهجي ، فيما يتعلق برصد الأعمال المتراكمة كمّاً و كيفا ، من قِبَل المفكرين و المثقفين العرب و المسلمين ... نوع التفاعل الشخصي مع هذه المكونات أفرز لنا توجهات متقاربة عند البعض ، و متباعدة بين تيارات متخندقة داخل حقول اشتغال كبرى ، ترسم حدودها مع محاوريها، وتجتر نوعية علاقات و صراعات متفاعلة مع المناخ الديني و السياسي ، التاريخي و الاجتماعي الذي أفرزها ...
و حينما نريد ولوج هذه الحقول ، نجد أنفسنا كمن يضطر لكي يكون مجندا داخلها ، كشرط رضا هذا الطرح داخل الحقل ، المحمول بأحكام القيمة التي قد تبعد عن الأكاديمية و الموضوعية ، لكي تسقطك في قلاع الايديولوجية المحصنة لمنظومة كل حقل اشتغال فكري و فلسفي ... لن نخفي هذا التوجس و الخوف الذي رافق دواخلنا كلما اقتحمنا بالقراءة و البحث و التحليل هذه الدراسات و الأبحاث ... ما دمنا أفرادا و جماعات نعيش داخل هذه البيئة ، نستضيء في بعض الدروب بقناديل الفكر و الفلسفة و المعرفة التي يوقد ضياءها، رواد هذه الدراسات من المفكرين و المثقفين ... تجدنا ملاّحين مبتدئين أمام هؤلاء الربابنة الذين يمتلكون قدرة على قيادة التيار و مواجهة العواصف التي يصطدم بها ، و الخروج به الى شمس ساطعة مشرقة تنشر الاستقرار لعناصر الوجود و الكون و الطبيعة و الخلق ....تشبيه ربما يضخم من دورهم ، لكنه باعتبار المتعلم امام المعلم ، هكذا يتصور المسألة ، ما دام هو المخرج له من ظلمات اللامعرفة الى المعرفة و العلم و القدرة على الفهم و التحليل ....
خارطة البحث الفكري و الفلسفي ، تسجل أن الخطط المرسومة ، في غالبيتها ، لا زالت في وضعية رد الفعل حاضرة .. لا زالت عمليات الاستقاء أو الاستنساخ بمصطلحات مجردة محلية قائمة كذلك ... لا زالت عمليات التبييء لمناهج و تصورات و افتراضات مختبرية هي السائدة ... و لن تكون هذه الملاحظات تنقيصا ، ما دام فاقد الشيء لا يعطيه ... و فاقد الشيء هذا ليس الفرد أنا أو أنت أو هو ، إنما هو واقع البحث العلمي و الدراسة الأكاديمية ، ومستوى تعلم مجتمعاتنا و انخراط سلوكها كترجمة لمعارفها و علومها و خصائصها الحضارية الجديدة التي رسمتها او سترسمها ...
نجتر أعطابا كبيرة عبر قرون ، واضطرنا التاريخ للدخول في سباق لم نستعد له ، كما اضطرنا لتأدية ثمن التأخر عن الركب الحضاري و التنافس الحضاري الانساني ... و رغم كل هذا ، لا يمكن لمن يركب فلكا في هذا المحيط أن يستسلم ، أو يترك قيادة أو تفكيرا وبحثا ... وتلك مهمة المثقفين و المفكرين و الدارسين ...