منذ اربعة آلاف سنة ، كان الحلم الاول ... جسّد الشكر الاول الذي بحث عنه سيدنا ابراهيم عليه السلام في تقديمه لخالقه و معبوده ... ـ شكرٌ على الهدية من التيه ، وعلى
الاستقرار في المكان ، و على هبة النعمة و الماء و الحياة الجديدة ... ـ
الصحراء تيه كبير ... حياة تنفسية و تغذية و ارتواء يمشي على رجليه ... كل خطوة تضمن لك بئرا ، وإطفاء لعطش و كلأ لماشية واكتشافَ جديدٍ ... ـ
الوحشة رمال ثابتة ، والتي سرعان ما تتحول الى أشباح و وحوش متنقلة أو سلطة من فوق الروابي ، أو مرسلة لفحيحها و لهيبها مع اشعة الشمس الحارة المتحولة إلى ما يلفظه بركان
من حمم ، هي حارقة بين الرمل والحصى و زناده العلوي ... ـ
الوحشة بطون جائعة ، تائهة ، تتحول إلى وحوش ضارية في سنة البقاء و قانون الاستمرار و الحفاظ على الحياة و رمقها حتى حين ... ـ
الوحشة ، هذه الصحراء الفاتنة بلحظات ، و القاتلة بلحظات أخرى ... وقليلا ما تفتنك و تستهويك و تستغويك حتى تفاجئك بوجه آخر و قناع آخر ... حتى ترفع لثام المرأة الفاتنة
ليظهر وجه قحولة و مخالب دمار ...
الوحشة في الصحراء ، قنون ، والائتلاف شذوذ ... أما الروح ، فهي المعذبة داخل هذا اللاتوازن ، الباحثة عن خلاص خارج اللعبة ، الصابرة على امتحانٍ لا ينتهي ابتلاؤه ،
تترجم المحنةمن عالم الحواس إلى عالم الروح و النفس ... العيون جمرات مشتعلة ، تحن إلى دموع رحمة داخلية ، تبلسم جراح القلب ، و خارجية تسقي الألسنة اللاهثة الباحثة عما يطفىء العططش و الظمأ و العدم
الزاحف على الوجود ... ـ
القدر ، مرافق و أنيس في رحلة الصحراء ... و من لم يرافقه قدر ، لا يستطيع سفرا وو لا رعيا ، ولا يستطيع إيجاد بئر أو جب ، أو ضمان استمرار وجوده ... ربما تطمره الصحراء
، فيغيب بعقود و قرون ، أو حتى حين هبوب ريح أخرى تراقص الأولى ، بين طمر و كشف ، بين حجب وسفور ، كأنها الراقصة بتلابيبها التي تغريك بسيقانها و فجأة تخبىء كل مظاهرها وراء ثوبها ، حتى وجهها الذي تضرب
عليه لثاما و قناعا ، فتصير خيمة بلا مداخل و لا جنبات ... ـ
القدر ، لعبة حتمية ، قانون موت مؤجل حتى نهاية لعبته ... قد تعيش يومك أو صبحك فيه فقط ، كما أنك قد تضمن به بطاقة حاية جديدة ... ـ
بين القدر و السراب ، اتفاق داخل اللعبة ، على حياة الانسان ... يدخله في تموجات الأوهام و الخيال و الأحلام قبل السقوط ، قبل العري ، قبل البياض النهائي الذي لا لون فيه
سوى بياض الاحتراق ... لعبة عذاب ، يصبح فيها الانسان صبيا باكيا ، مناجيا ، متوسلا لأمه الصحراء وأبيه ذاك الأفق المنتظر الذي يَعِد و يَعِد بسعة الحُلم و الصبر و طاقة الانتظار ... ـ
يوما ما ، بين قمم جبال ، الواح حجرية شامخة ، تقي من الرياح العاتية من عيون قوافل الوحشة الآدمية و الحيوانية ... يوما ما ، لم يكن هناك موضع للرجوع بعد اللجوء و
الاحتماء ... كان القدر منتظرا ضيوفه ، مشتقبلا لاجئيه ، مخبئا لهما هدية الحضور ... ـ
ابتلعت حصى الرمل و التراب دمعات طفل باكٍ ، دحرجتهْها بين الثنايا ، جذبتها لروح الحياة ، لماء يلاعب السماء تحت التراب ، أوقد الاحتكاك ما به الحياة ، كما أوقد الصراخ
الأصوات الدفينة لكي تعانق علياء الأرض والخلق و حينها ، كانت الأم تراقص القدر ، بين جبل و جبل ، سفح و آخر ، مسافات الهرولة ، وأفق النظر ، وطواف الرجاء اللولبي ، قانون المجرات و الذرات ، قانون
الخلايا و الذرات ،الحوم حول النواة ،مثل حوم الدم حول القلب والحياة ،و حوم الطفل حول الام وثدي اللبن و الرضاعة ... كانت رقصة الوجود التي بينت ضحكة القدر ، وفتحة الأمل ، وبسمة البشر مع قطرة الماء
التي جذبتها دمعة مالحة ، فاختلطت ملوحة الحياة بحلاوةالطبيعة ، وفتحت صفحة جديدة ، هذه المرة ، ارتضى القدر الاستقرار والرضى لطفل و أمه ... هذه المرة ، بين جبال و جبال ، استراحة من لعبة قدر الصحراء
، وتيه الروح وراء قوافل في البيداء ... في انتظار الأب ... إلى أين ذهب الأب ؟ متى يعود الأب ؟؟؟ هذه المرة كانت خارطة الطريق موصلة ببصولة المحكي و المجرب إلى قطرة الحياة و بداية نهر تاريخ جديد ...
ـ
à propos du blog
blog des essais poétiques, littéraires et culturels.يروم هذا المنبر الى تحفيز الارادة على الكتابة والابداع.الى جعل ثقافة الكتابة اختراقا للواقع وبحثا عن الحقيقة...نور العقل يسطع في سماء الكون وأعماق الوجدان...نور على نور