يتم ثقافة
ذ. حسن إمامي
يبتغي هذا العنوان تناول إشكالية مطروحة في العلاقة بين الثقافة والمجتمع. كيف على الثقافة ألا تكون مجرد بذخ معرفي وفكري، مجرد كلام جميل يتغنى به البعض في الأمسيات والمناسبات. وهو فهم طبعا مغلوط حتى بالنسبة للإبداع ووظيفته وجماليته. حينما تكون الثقافة عنصرا أساسيا في تكوين الإنسان وتطوير شخصيته ووعيه ووظيفته داخل البيئة والمحيط، داخل المجتمع وذوق العيش فيه وتبادل التواصل والعلاقات مع باقي أفراد البشرية، حينها يمكننا الحديث عن ثقافة حقيقية تؤتي أكلها الجمالي والسلوكي والعملي في الحياة.
هي ذي ثقافة تتأثث وتتأسس على هذا المنوال. هو ذا فضاؤها مجتمعٌ أو مجتمعات بشرية تربطها علاقات متشعبة تتداخل مع ما هو ثقافي لكي تجعل علاقة هيكلية وبنيوية كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد وأعضاؤه بالسهر والحمى كما في الحديث.
وهنا بيت القصيد، هذا التشبيه الدقيق الذي يجعله الحديث الشريف للمجتمع وللأمة. فمن ستكون هذه الأمة إذا كانت واعية طبعا بحالها وثقافتها؟ وما ستكونه إذا ما غاب عن وعيها ما يقع وسيقع؟ من للعاقل، وما لغير العاقل طبعا.
وحتى نستبين في تواصل مع القارئ حقل الاشتغال الذي يرتبط بهذا العنوان سنحدد دائرة الجسد، هو امتداد الدول العربية وما نسميه بالعالم العربي. حدود اشتغال لا تنفي تنوعه الخارجي وكذا الداخلي. حيث لا إقصاء للمكونات الأخرى ولا تنقيص لقيمتها التي قد تكون أساسية أكثر في التشكيل والتأثير والفعل والتحقق. إنما عامل الاقتصار في التحليل على لفظة العربي يرتبط باللغة والمنتوج الثقافي العلمي والفكري والفلسفي والأدبي والفني وأساليب التعبير المختلفة التي يتشكل بها الإنسان داخل هذا الكل المتعدد والمتشعب. كلٌّ تؤطره مؤسسات ومعاهد ومجالس منتخبة أو مفوضة على مستويات عليا سياسية وديبلوماسية وغيرها. كلٌّ يرسمه مشروعٌ تعقد له مؤتمرات ويحلم بغد لعالم عربي واحد رغم التناقضات التي يحبل بها والتي تندرج في التاريخ الواقعي والموضوعي والجدلي الذي يختبر الإنسان في مدى إدراكه وعلميته ونضجه الحضاري الراهن والقادر على تحدي صعوبات وعراقيل المرحلة التارخية هاته. كلٌّ لا يجب أن يعتبر نفسه في جزيرة منفصلة عن العالم بقدر ما سيكون داخل تيار مياه محيط دولي يطلب منع ملاءمة مياهه لكي تستساغ عالميا في الشرب وقبول التناول...
قد يعذرنا القارئ حين طرحنا لهذا التقديم المركب، لكننا نعتبره ضروريا تصفية لكل الذهنيات من كل التصورات البعيدة عن الموضوعية التي نرجو تحقيقها فكرا وتنزيلا.
ما نلاحظه في واقع المجتمعات المنتمية للعالم العربي على الأقل أنه واقع حروب وصراعات مشتعلة. وتيرتها أصبحت معقدة ومحذرة وخطرة على كل ذات إن داخليا أو خارجيا.
خارجيا: جبهات صراع ضد الكيان الصهيوني العنصري. وضد الأطماع الإمبريالية المتجددة والتي ترى الحلول بالتحكم السياسي والعسكري وبالتموقع اللوجيستيكي والعتادي بالبوارج والثكنات فوق خارطة العالم العربي، ما يترجم البعد التحكمي في جميع مجالات الحياة.
داخليا: تعامل الأنظمة مع شعوبها وطريقة تحكمها الاستبدادية والرجعية في تسييرها، ما يعرقل كل تجاوب للاستمرار التاريخي السليم في بناء هذه المجتمعات. وحينما نرى ما يقع في بلدان مثل السودان والجزائر ومصر وسوريا وغيرها، سنعلم بأنها توترات كبيرة تنفجر كل حين مثل براكين نشطة. وما أدرانا ما أثر البراكين بأسلوب ترهيب القرآن الكريم.
حينما نرى أشكال الدمار التي هدمت عمران اليمن وسوريا وقبلهما العراق وغيرها من البلدان العربية، نرى الدموع التي أصبحت رمادية وساحقة لصفحات وجوه الأطفال والنساء والشيوخ، حارقة للمنازل والأشجار، محولة صور المدن والقرى إلى مشاهد يوم القيامة الذي تفننت البشرية في رسمه وتخييله، ندرك مع كل ما نراه البؤس الحياتي الذي أصبح يعيشه الفرد الإنسان داخل هذه المجتمعات.
وحينما سنتكلم عن الثقافة وكيف أصبح مآلها مع هذا الدمار الممنهج والمستمر، سنتساءل طبعا: ما أهمية الثقافة حتى نجاورها بحال الكوارث هذه؟ وما أهميتها حتى نتساءل عن دورها في الإنقاذ وفي الحياة وفي التنمية المنشودة لهذه الأمم والشعوب؟
ويقتلع قلبك ويجعل الاهتزاز في درجات استقرار وجدانك حينما تشعر بالتهديد والرعب المنتشر وهو يكتسح جسدك وكيانك ووعيك وضميرك وكرامتك. كيف لا يستفزك ما يقع وأنت الإنسان المنتمي لهذا الكل الإنساني المشترك؟ مهما كانت لغتك وجنسيتك وموقعك الجغرافي فأنت إنسان معني بكرامة الإنسانية وكرامة شعوبها، وإلا سيعدمكل واحد منا قيمة كفرد في الحياة، وسننسب لغيلان الهمجية الذين مروا في تاريخ البشرية.
هو ذا يتم الثقافة الذي أصبحت تعيشه منفصلة عن كل محاولة تحقيق لأهدافها الحضارية والمدنية. ثقافة رسمتها الأحلام والمشاريع، لكن هندسة السياسة والحروب مزقت خارطة إنجازها وتحقيقها، ونشرت بدلا عنها ثقافة الموت والدمار والآلام. أي تراجيديا وهبها العصر الحديث لضحايا هذا الوقع الأليم ! للأسف.
سأختار من بين المشاريع الثقافية، سياسة الاحتفال بالمدن والعواصم العربية ثقافيا. سنلاحظ تأثير المناخ المشحون سياسيا وعسكريا في تحقيق جمال الاحتفاء والاحتفال والإنجاز. هي ذي اليمن، العراق، سوريا، فلسطين، ومناطق جغرافية كثيرة تعاني من الحرب ومن التطرف ومن التجهيل وروح الانتقام. هذا الانتقام الذي تولده العصبيات التي تنزّل صاحبها إلى الدرك الأسفل من التحالفات ولو ضد ذراعه الذي يؤلمه فلا هو يشفيه ولا هو يعترف بحقه في العلاج.
هذه السنة اختيرت (بورتسودان) عاصمة عربية للثقافة. وقبلها كانت (وجدة) هي العاصمة العربية للثقافة. وقبلهما القاهرة 1996، تونس 1997، الشارقة، بيروت، الرياض، الكويت، عمان، الرباط... وخلال هذه المراحل وبعدها نسجل أن القيام بالواجب عربيا أصبح يقتصر على البروتوكول التمثيلي والرمزي أكثر مما أصبح يقوم بفعل الثقافة الحيوي والفاعل في عناصر ودواليب حياة الإنسان.
انتُقِدت كم من دورة بسبب ضعف الإنجاز بل سوء التدبير وقصد التهميش للحدث ولقيمته. وحينما نصافح سنتنا الميلادية 2019 نلاحظ أن الحراك في السودان والمواقف السياسية الداخلية والخارجية أصبحت تعطي للصراع بعده الإقليمي والدولي أكثر مما تعطيه بعد الديمقراطي المنشود كحلم وككرامة عند الشعب السوداني. ولينظر الواحد منا إلى الموقع الجغرافي الذي تقع فيه المدينة وسحره وجماله وتاريخه. لينظر إلى الإشعاع المتبادل الذي يمكنه أن يقع بين دول الجوار مثلا ودول الانتماء لهذه الثقافة مثلا ثانيا. سيضحك السياسي من أحلام المثقف وخيالاته وأمنياته. طبعا، من يُلَمّعُ نابَه للغرس والنهب والنهش للأجساد ليس هو من يُعِدّ لها باقات الورود والأزهار لاستقبال فجر ويوم جديدين.
وكان كل خوف نستشعره يتحقق حدسنا معه. دائما يكون دور السياسي فعالا إن سلبا أو إيجابا. لكنه هنا وبالأغلبية في القياس سلبي هدام يمارس التخلف ويدعّمه. يحلم الثقافي بنشر قيم السلام والفرح واحتفالية العيش والتثاقف والمحبة ولتسامح. يحلم بتنمية المجال وتسخيير الإمكانيات وتطوير البنى التحتية والفوقية لأجل عيش الإنسان الكريم ولأجل رسالة حياة حضارية راقية ومتمدنة. لكن السياسي يحلم بسكّينه الذي يقتطع به من الكعكة ما يشاء نرجسيا وتلذذا في إيلام الآخرين. يحلم بتفجير الاستقرار وبحرمان الإنسان من حقوقه الأساسية، ومنها حق التنمية الثقافية وتحقيق رسالتها الحضارية.
كان من المفروض أن تكون التظاهرات بحجم تظاهرات ملاعب كرة القدم المتابعة من طرف جماهير غفيرة سواء في عين المكان أو من خلال روابط العوالم الافتراضية والتواصلية والإعلامية. لكن هيهات. ذا حلم وذاك كابوس. نعيش الكابوس المفزع في الواقع والمفجر للذات تجريحا وآلاما، ونتابع حلمنا خيالا نتمناه آمالا ! حال اليتيم في عزلته ومثواه.