اذا كانت السيميولوجيا عند أهل الاختصاص تعني في ابسط تعاريفها أنهاsemiology :-علم الاشارات او العلامات او الرموزما يفرق بينها وبين اللسانياتان اللسانيات تدرس ما هو لغوى ولفظى بينما تدرس السيميولوجيا كل ما هو لفظى وما هو غير لفظى ايضا*،فإن لغة الإشارةوالعلامة تحتل أهمية كبيرة داخل حقل الدراسات السيميولوجية ، لكونها ترمز لخطوات سلوكية و كذا لوقائع حادثة ماضية أو حاضرة أو آتية ، عبر الزمن ، مضمرة أو ظاهرة... يتفاعل الانسان مع هذه
العلامات و الاشارات نفسيا كما انفعاليا ، فيأخذها بعين الاعتبار فيما سياتي في إطار تواصله سواء مع نفسه أو مع الآخر ...
و داخل حقل السياسة ، تحضر الاشارة والعلامة بوظيفتها القوية الدلالة ، ذلك لكون الخطاب السياسي يستعين بكل الادوات المادية والمعنوية ، وكذا الرمزية لكي يؤثر في الفعل السياسي والحياتي
الذي يتوخاه من وراء هذا الخطاب...
(1)
قام أرييل شارون بوضع قدميه داخل الحرم القدسي وفي ساحته ، فقامت الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي شارك
فيها حتى الأطفال الصغار والأمهات بدورهن الخالد في جميع الثورات ...حيث لم تكن تلك الزيارة التي قام بها إلا إنذارا بالخطر الذي يتوقعه فعلها وهو أن هذا المقدس عندك أيها العدو أصبح متاحا لنا ،
مشروعا داخل خططنا ، ما عليك إلا أن تتهيأ لما سيليه ... وهكذا توالت الأحداث ، الأليمة والمستمرة لمعاناة الشعب الفلسطيني بالاساس قبل غيره ... العقل البليد والنفس الجبانة رأت في الانتفاضة تضخيما
لفعل كان من الممكن أن يمر مر الكرام ... لكن الذي يخوض التأويل السياسي ويعاني من آلام جراح خنجر ، يعلم ما وظيفة تلميع صفحة الخنجر الحادة والتلويح بها أمامك ... و الشعب الفلسطيني كله وعي سياسي
بالمشروع الصهيوني.
(2)
وبانتقال سريع عبر الزمن الى العقد الثاني من الالفية الثالثة ، نجد لغة الاشارة قوية في التوظيف ، تُبنى عليها القرارات وتخطط لها
الاستراتيجيات الجديدة لكل دولة أو مؤسسة... فمع ظهور الأزمة الاقتصادية مثلا في إسبانيا ، وجهت الحكومة الاسبانية رسائل مشفرة عديدة لجارها المغرب ، مزجت فيها بين رد الفعل السياسي على تصريحات
الحكومة الجديدة المغربية المذكرة بضرورة فتح ملف استرجاع سبتة ومليلية... حيث اختار وزير داخلية اسبانيا مناسبة معركة أنوال لكي يدخل الى التراب المغربي ، ويقوم بزيارة ترحمية على الجنود الاسبان
الذين توفوا في معركة انوال ، ويحول رمزية معركة الى قضية تاريخية من جديد تتساءل معها من الضحية و من الجلاد ... كأن معركة أنوال لم تنته بعد .. وكأن الاسبان كانوا في استراحة محارب ... وكأن
المغاربة ليست لهم مصداقية التفكير تاريخيا بما وقع لبلادهم من غزو واستعمار واستغلال وتقتيل وابادة بالمواد الكيماوية وما خفي معها أعظم ... زيارة كانت ثقيلة الوقع على وجه الديبلوماسية المغربية
وإجراءاتها السيادية ومراقبة والتحكم في الوافد فوق ترابها والزامه باحترام كرامة شعبها وعلمها وشهدائها...
وربما كان الاسبان يريدون من تفجير أزمة سياسية وديبلوماسية مع بلد مجاور يستعمل كورقة كارطة لعب
دائما بحمولة الجار المتخلف و المزعج و الذي يجب أن يبقى خاضعا لسيده المتحضر والمتقدم تاريخيا ... وتكون الحمولة اللاشعورية الثقافية عند المجتمع الاسباني وعند ثقافته الشعبية المرتبطة ب (المورو)،
تجر معها احقاد الماضي في الصراع الصليبي وفي تهديد الاسلام لاوربا والكنيسة وعقدة الحكم الاسلامي للاندلس لقرون عديدة ... حتى إن غصة بعض المثقفين تنحبس في التحليل التاريخي عندهم بفعل التفوق
الاسلامي بحضارته وسياسته وحكمه في تلك المرحلة ... وربما هي ذاتية مَرَضية لا يسلم منها لا المثقف ولا الانسان العادي عندهم ...
افتعال أزمة دبلوماسية فيها تأويلات عدة لما يريد صاحبها من ورائها والاحتمالات التي كان يتوقعها
مربحة له معها ... فمن جهة ، لجم لسان المطالب بتحرير أراضيه ... ومن جهة ربما بغرض تفعيل أزمة سياسية و علاقاتية تصل إلى حد سحب سفراء أو طرد عمال مغاربة مقيمين بالاراضي الاسبانية سواء بشرعية اوراق
او بدونها ، حيث يكون الذئب كما نقول مرة حلال ومرة حرام ... وهكذا سيحول الراي العام الاسباني الى عوامل مفتعلة لتبرير الازمة والحلول الاتية الموهمة بحلها سياسيا واقتصاديا ، مع استغلال الوعي
الزائف في المشترك الاسباني حول السيادة والنفوذ في منطقة البوغاز، متأرجحين بين الانصياع لتفوق بريطانيا في النفوذ الجغرافي على صخرة في جوف صدر اسبانيا (جبل طارق )، وبين تفريغ هذا الشعور بالاذلال
على الجار الفقير الذي يجب ان يبقى ممتنا لاوربا باستعمارها وقوتها ...
لكن هذه الاشارة تم تجاهلها عمدا احتسابا للآتي من احتمالات منها ما ذُكِر ... و كانت الورقة الخاسرة مع هذا السكوت هو لجم اللسان عن الكلام عن سبتة ومليلية .. وهكذا ذهب الخطاب السياسي
مع مهب لا ندري ما هو ... محاولة فقط.
( 3)
مثال ثالث للغة
الاشارة والعلامة ، وهذه المرة من داخل بلدنا العزيز ومن داخل حكومته الجديدة ، وفي حقل آخر وميدان آخر يتداخل مع السياسة هو الآخر كما يتداخل التنفس مع الهواء بمكوناته ومركباته والتي منها الفن كذلك
...
سنتحدث عن بداية العمل الحكومي في الحقل الفني بتكريم للفنان عبدالهادي بلخياط... يستغرب البعض من الاثارة لموضوع تنوسيَ الآن .. ومن منا لا يحب الفنان عبدالهادي بالخياط وأغانيه الخالدة
التي تؤرخ للزمن المغربي الجميل طبعا، وحيث لا زال الذوق المغربي يتغنى بمختاراته في حفلاته وأعراسه ولحظات شوقه وغرامه وتعبيره عن الحب وصوره الجمالية والحياتية الجدلية .. فيكفيك أن تبدأ لحنا حتى
تجد الأفئدة مازجة لآهاتها مع نغماته وكلماته ، مدندنة بها...
فما هي الاشارة التي ارسلها منظمو حفل التكريم ؟ و ما هي وظيفتها السياسية قبل الفنية ؟
مسار الفنان عبد الهادي بالخياط حافل ذاتيا وموضوعيا في الفن والاجتماع والسياسة ، مادامت الاغنية الوطنية لها دورها في خدمة الخطاب السياسي ... وسيرته الحياتية تعتبر سيرة شخصية الانسان
المغربي الذي تفاعل مع قضايا الدين و الاخلاق والحداثة و التحرر وكسب العيش والتألق الاجتماعي والفني كذلك... وهي سيرة تترجم انشغالات كل مغربي بالبحث عن الهوية و عن التحرر في شكل جدلي تفاعلي بين
متناقضات الحياة المحيرة في الاختيار ... تستحق أن تكون مادة فنية لاخراج سينمائي أو تلفزيوني ... و لا ننس المشاركة على الصعيد العربي الاسلامي بانتاجاته الفنية على صعيد الاغنية كما على صعيد
التمثيل السينمائي...
إنما يبقى دائما هذا التساؤل حول الرسالة المشفرة سياسيا التي يحملها تكريمه بمجرد صعود الحكومة الجديدة... واذا كان التحليل يرنو الى موضوعية أكثر ، فهو لا يعبر معها عن رفض او مساندة ،
لكونه يريد تعميق الوعي والفهم في تحليل الظواهر الحياتية حتى لا يغيب الوعي ولا يُستبلد الرأي ...
يبقى المسار الفني إرثا مشتركا لجميع المغاربة ، وتتحول معه شخصية المغني والفنان الى شخصية معنوية تهم الراي العام ، وتجعله يتدخل في امورها الدقيقة ، مادام الفنان يمثل هو الآخر رمزيا
ذوقا جماليا وفنيا وقيميا مشتركا لدى افراد الجماعة التي تحب فنه وتعجب به...
من هذا المنطلق ، نتحدث عن شخصية الفنان عبدالهادي بالخياط مع احترامنا لاختياراته الشخصية من منطلق حقوقي وحريات مقدرة ومقدسة ... فمسار عبد الهادي بالخياط ، عرف مرحلة تحول الى العزوف
عن الفن والتخلي عنه لاجل التفرغ للعبادة والدين والزهد الحياتي ... وهو اختيار واكبه جل المغاربة واحترموه ، كما اعتبروه شجاعة في وقت لم يكن من الممكن تقديم استقالة من منصب مهم بدون رضى أو أمر
الحاكم ... والاشارة مضمرة هنا .
لكن ، للسياسة أحكام ، جعلت الرجوع الى الحقل الفني ، والتطبيع مع لون انتُقِذ أخلاقيا من طرف أًصحابه ومن معهم ، فعدنا من جديد نتمتع بأداء الفنان عبد الهادي بالخياط وسهرنا مع الزمن
المغربي الجميل ، واستمتعنا بذوق الطرب واللحن وعانقنا معه حياة الطبيعة وقيم الحب التي تقوي العلاقات الانسانية كما تحرر الفرد من عقد النكوص والانطواء والكبت ... راحت الاسطوانات تسمع في كل مكان
حتى في نزهة الطبيعة ، جعل لون الطبيعة يبتهج في عيوننا بعد أن اصبح شاحبا عند بعضنا ...
وجاءت (المنفرجة ) كاداء فني وقيمي جديد ... اغنت حقلا ثقافيا بلغة فنية بديعة ... وحينما جاءت الحكومة الجديدة ، ارادت أن تعطي النموذج لما يجب أن يسير عليه كل فنان في التوبة والرجوع
الى الطريق الاخلاقي الذي يقبل معه فنه ... يكفي أن نرى الشخصيات التي حضرت للتكريم ، لنستنتج أن التوظيف السياسي له ارادوا منه ورقة قوية سيحسم بها اللعب لصالحهم... وهو توظيف من حقهم ديمقراطيا
وحقوقيا ، و بهما دستوريا معا .. لكن يبقى حق التحليل للخطاب والتفسير للاشارة ، والوعي الذي يحدد الاختيار والحكم على الفعل السياسي والخطاب الاعلامي المرافق له ... فداخل عمليات التأثير والتأثر
المتبادلة لابد لنا ان نتوقع مثل هذا التوظيفات واستعمالاتها...
ويبقى للمواطن حق الفهم والتأويل والحكم الشخصي الذي ينتظم داخله ذوقه واختياره وموقفه السلوكي المناسب لما يريده جماليا وفنيا ، في إطار تنظيم علاقة الفن بالسياسة التي لا تغيب
...
à propos du blog
blog des essais poétiques, littéraires et culturels.يروم هذا المنبر الى تحفيز الارادة على الكتابة والابداع.الى جعل ثقافة الكتابة اختراقا للواقع وبحثا عن الحقيقة...نور العقل يسطع في سماء الكون وأعماق الوجدان...نور على نور