تأتي محطات عمرية للفرد،كما تأتي أخرى تاريخية للمجتمع،تتفاعل فيها تناقضات،فتتفجر سلوكات تستدعي الحسم في منعرجاتٍ اختياراتُها ملغمة وخطرة....
في السياق الثقافي والحقوقي لحياة الفرد والمجتمع، يكون الزمن متداخلا بين الماضي والحاضر والمستقبل. فمرة نسير في اتجاه الماضي بسلوكنا، حيث نستحضر ونتقمص نماذج من الشخصيات والانماط ، فنعيش في كنفها وإطارها ومثالياتها التي لا تعني بالضرورة الكمال الذي ترسمه الاديان والفلسفات، بقدر ما تعني اختيارات سوسيو ثقافية وسيكو ثقافية تشكل الهوية كما الايديولوجيا والسياسة... ومرات نعيش المستقبل المفترض، فنسبق الاحداث نحو رسم معالمه وتجريب الافكار المرتبطة بالمأمول فيه...
هكذا تتداخل الأزمنة الثقافية في حياتنا الفردية والجماعية. هكذا تتشابك جدليات الواقع في علاقاتنا السوسيو ثقافية، فتتفجر كتناقضات بإصدار مواقف وتصرفات لا تمت لمنطق التوازن بصلة. حينئذ نحتاج لوقف عجلة الذهن، وجعل التفكير في ميكانيزمات أعطابه وسبل إعادة الترتيب....
تأتي قضية (أمينة فيلالي)كشاهد تاريخي وحضاري على نضج أمة، وعلى استعدادها للتطور والتقدم، وتجاوز تناقضات عقيمة تعيشها في نفسيتها، تقدم فيها أفرادها كقرابين لجهلها وتخلفها....
إن المجتمعات التي عرفت تطورا ثقافيا وحضاريا هي التي استفادت من أزمات واقعها وفكرها، فراجعت بضمائرها قوانينهما وآليات إنتاجهما . هكذا وجدنا في فرنسا مثلا محطات مع ملف (دريفوس)مثلا ، كما في أمم أخرى جعلت من حدث وقضية مراجعة فكرية وفلسفية وثقافية ... لقد خلقت هذه الازمات حقلَ ومختبرَ تفكيرٍانتفض على معايير في التفكير والعمل ، أنتجت الظلم والحيف واللاتوازن في الوعي كما في الممارسة.... وكان أن تحركت القوى التقدمية بالمعنى المتحرر ثقافيا إلى تصحيح مرجعيات ومحاربة رجعيات في التفكير تقادم وضعها كالضرس الذي تسوس وتخرم فاحتاج الى اقتلاع ... وطبعا لم تكن عملية الاستئصال بالسهلة ، ما دامت الآلام ضرورية في كل عملية اقتلاع ... كان لابد من التضحية بالحرية الشخصية من اجل الحرية المجتمعية الحقوقية والحضارية... كان لابد من جعل نبراس الانعتاق بتجريب معاناة غياهب ظلمات الفكر الرجعي الرافض للعلاج الثقافي والحضاري...
يقف المجتمع المغربي مع قضية (أمينة الفيلالي) في مفترق طرق،كشّرت فيه ألغام ثقافته وممارساته على أنيابها، فزادت للجرح شرخا ، وللآلام صراخا وعذابا، وللروح الممتحنة حبال شنق وتمزيق اشلاء، حتى تتبدد وتتفتت، وتُرمى لفوهة نارالضمير الجريح، فنزيده موتا على موت، وغيابا على غياب،وتأنيبا على تأنيب، وإذلالا على مهانة وحقارة...
يتشكل إذن ملف حقوقي جديد، بين مرجعيتين متناقضتين، يكون الفرد ضحية لهما، في استبداد الأول، وفي عجز الثاني عن الحضور والفعل.
قد يكون المستبد عقلية أمة متحكمة في سلوكها، مخضعة لها، معاقبة كل من خالف منطقها وأخلاقها وإطارها...فإذا كان زعيم الاستبداد معمر القذافي ، كما غيره من منافسيه في امتلاك الحريم وامتلاك عقلية السبي والغنيمة القبلية القروسطية، قد اشتهى طفلة فاختطفها واغتصبها وارجعها من حريمه الشهواني، وفرض بمؤسساته القمعية الرمزية والمادية الأمرَ الواقعَ على اسرتها كما على مجتمعها، فاسكت هؤلاء وارهب آخرين ... كذلك الأمر مع الثقافة الاستبدادية المجتمعية التي اصبحت عقيمة ، فلم تعد قادرة على انتاج عدالة للفرد، اللهم سحق صوته وإقبار صراخه، وغلق فواهة بركان ألمه، خوفا من العار، وحفاظا على الشرف الظاهر، وهروبا إلى الأمام كما الى الوراء، من معالجة الواقع الحاضر بشكل منطقي وعادل، ينصف الضحية ويعالج جرحها النفسي ومرضها الروحي الذي تحتاج اليه كعلاج، أكثر من حاجتها للعلاج المادي والجسدي...
تشبيه مظفر نواب للخناجر التي استُلَّتْ، رغبة في طعن الفتاة المغتصبة ـ فلسطين ـ، حنقا على صراخها وهي بين مخالب مفترسها، قربان الضعفاء البدائيين لوحش الغابة أو تمساح البِِرْكة أو ثعبان الجبل أو فوهة البركان النافخة بالصور في الأفق...
إن انتحار(أمينة الفيلالي) هو انتحار ضمير الأمة الذي يبدو أنه عاجز عن المراجعة والقيام بالنقد الذاتي، وتوبيخ العقلية المسببة له ،هو انتحار ثقافي غير قادر على انتاج بدائل للاستبداد الثقافي المعشش في عقولنا، والكبت السلوكي المنتج لحالات الباتولوجيا المازوشية والانفصامية التدميرية...
تصبح الثقافة عقيمة فتبرهن على أنها لم تعد صالحة. ومادام التاريخ كما النهر،لا يقبلان الركود، فإن النتانة تتفرقع هنا وهناك، مهددة بالاوبئة وبالموت العفن...
وإذا كان الانسان الفرد معذورا في حالات ضعفه، فإن الجماعة لا عذر لها في حالات تصريفٍ خاطئة. لذلك وجبت محاكمة ضميرها وعقليتها وقوانينها وقيمها وأخلاقها...
وإذا كانت الروح الانسانية عزيزة عند خالقها، جُعل محور المصلحة والمفسدة من أجل الحفاظ عليها وعلى كرامتها، فإن اي اجتهاد يُفقدها، لا شرعية له ولو كان على لسان الفقهاء، ما داموا بشرا يفكرون بالوضعي وليس بالسماوي، بما أن الوحي بعيد عن نطقهم ووعيهم...
الرِّجْلُ المكسورةُ العظامِ، هل نطالبها بالركض قبل تجبيرها وعلاجها وترويضها وشفائها ؟؟؟ ذاك ما مُورِس على روح (أمينة الفيلالي)، فكانت الاحتفالية السادية بامتياز، مارستها عقلية مجتمعية تركض للخلف في عمى افق مُغيب...
إن غياب الوعي والممارسة الحقوقين،يتركان ابواب الظلم والحيف مفتوحة. يجعلان لأشباح الافتراس والسفك والنهب والغصب والاغتصاب، فُرَص الانقضاض على الفريسة كل حين، وكأننا في مشهد دموي احتفالي روماني في صراع الانسان الاعزل مع السباع الضارية، نستلذ بالمشهد الدرامي التراجيدي، ونبتلع ريق الخوف من قدر السقوط في حلبته...
إن لعاب الغريزة البدائية لا زال برَغْوَتِه بين الاشداق منتظرا ومتحينا مناسبات الاشتهاء والتفريغ القسري على الضحايا، أكانوا رضعا أم أطفالا أم ضعفاء الحال ... فاي حضارة واي قيم إنسانية واي مشروع ثقافي مدني مع هذه الصور المتخلفة داخل المجتمع؟؟؟!! ـ
إن صرخة (أمينة الفلالي) الانتحارية دليل على غياب احترام قيمتي الحرية والكرامة في وعي الامة وممارساتها... فداوني بالتي كانت هي الداء،إدمان مَرَضي،يستفحل معه الخطر ويتفجر معه كل سلوك وضعي..
يتستر الهر برأسه ويبقى ذيله فاضحا له،متوهما عدم رؤيته، فلا تنمحي الحقيقة من حقله، ويبقى في حاله وسرابه
...