،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
يمر الزمن بسنواته الضوئية غير المرئية لقياس الانسان داخل هذه الكرة الارضية....تبقى بعض الشواهد المنسية على لوحات الذكرى والتاريخ...فينظر الكل الى ما ولى،لا يجد لنفسه قيمة مادية، سوى ما تركه مساهمة ذات قيمة معنوية وعلمية وفلسفية وثقافية حضارية، بالعمران والفكرة
ـــــ
سيكون الطرح إنسانيا مثاليا،متصورا الضمير الجمعي المغربي الايجابي المفترض عند كل مواطن استطاع التقليص من ذاتيته واستحضار الانتماء المشترك والصالح المشترك للامة المغربية...
ما يجعله مثاليا، هو افتقار مجموعة من المفاهيم لدلالات وحمولات ملحمية وتاريخية وحضارية وطنية،منها مفهوم الوطن،الأمة،الشعب،الدولة... ـ
شروخات كثيرة تكسر بنيان هذه المفاهيم،وتجعلها ضعيفة أمام مهددات كثيرة،وملوثات كبيرة لقيمتها الانسانية...
فالدولة باعتبار استعمالها الحديث،والذي خرج من رحم المؤسسة السياسية،ومن رحم المخزن الذي يعتبر جسده الذي امتطى تاريخيا صهوة السلالة والخلافة والوراثة في المنصب، والقرب القبلي والخدماتي والولائي، تكون هذه الدولة غريبة في النطق بها عند المواطن العادي الذي ليس له انتماء سوسيولوجي يتقاطع بع مع مكونات هذه الدولة، خاصة اذا كان وجوده وكانت استفادته، تتقلصان فرصهما مع تعارض المصالح مع أجهزة الدولة واصحابها...
اذا كانت الدولة قد قامت على سياسة حكم الفرد والاستبداد، والاخضاع بقوة العصا واداء الواجب في الطاعة المادي والرمزي، فإنها شكلت تنافرا مع مجموعة من الفئات، كما مع مجموعة من المناطق، تشكل في توترات وانتفاضات واشكال تمرد متعددة...
الشعب هو الاخر راكم وظائف متناقضة. فمن جهة، هو العامة المقهورة التابعة، الكادحة، المعانية... ومن جهة أخرى هو الضعيف، المستكين،الراضي بالظلم والمشجع عليه، وعدم المعول عليه في اية مطالبة مناضلة من اجل الحق والعدل والكرامة ... هو الجاهل غير الواعي، الذي يخذل زعماءه الممثلون لانتفاضاته واحتجاجاته.. لكنه كذلك ، هو رمز المظلوم الذي ينتصر له القدر، فيعاقب الطغاة باسمه ولأجله... وهو بذلك صاحب النَّفَس الطويل تاريخيا، يحافظ عليه بعمولاته بمثل(إرادة الشعب لاتقهر) ـ (الخلود للجماهير).... وطبعا فعمر الشعب ليس هو عمر الحاكم ...
الوطن كذلك أخذ حمولة جديدة مرتبطة بحدود بين دولتين، بعَلَم ونظام وجيش ومناطق نفوذ متوافقة على الانتماء للجسد الواحد..ساهم مفهوم الدولة في تحديد هيكله وإطاره ودائرته المجالية نفسيا وقانونيا وحقوقيا وسوسيولوجيا... كما ساهم في كسر انتماء تاريخي قبلي وعصبي وتجاري وديني، ربطه بمناطق اغتربت معه مع الانتماء المشترك، كما نجد عند القبائل الجنوبية والشرقية، وعند جماعات الرحل، واقتصاد الرعي والقوافل التجارية... فهذه الفئات جزأتها التقسيمات السياسية و جعلتها مكسرة الاجنحة في التحليق عبر فضاء جغرافي فسيح وفي التواصل مع مكوناتها القبلية والثقافية الاخرى، بسبب الحدود السياسية المرسومة..
يأتي مفهوم الأمة الذي يربط الوجدان والثقافة بالهوية الروحية الدينية والثقافية،والذي يجعل الوعي بهذا الانتماء الأكبر يتعالى على هذه التحديدات السياسية والجغرافية المُخضة للفرد...
إن هذا الفقر في حمولة المفهوم وارتباط الوجدان به بشكل نسبي حاد،يؤثر على أشكال التوافق السياسي بين الافراد في مجموعة من الميادين...
وهذا المطلوب في الوعي الثقافي الذي نشكل به مفهوم الوطنية والمواطنة،يغذي بشكل مسموم صراع المصالح والطبقات، وتنازع الافراد حولها وفيها...
إنما منطق الصراع يخلق بالمفهوم البسيط علاقة غالب ومغلوب،وبالمفهوم المركب يصبح صراعا طبقيا بين مستغِل ومستغَل، وبالشكل السياسي تصبح طبقة حاكمة وأخرى محكومة، يبحث داخلها التفاوت على شرعية قدرية وسلطوية مرتبطة بقوة مادية ومعنوية رمزية...
لعل هذا الجرح الموضوعي الكبير المسكوت عنه في بوحنا الجاهر، يحتاج الى تربية سياسية مبنية على قيم مشتركة، ومشروع متوافق عليه، يُشرك أكبر عدد فيه عن قناعة وممارسة.
ولعل الحركة الجماهيرية التي بدأت مع عشرين فبراير، رسمت هذا البعد في نزولها ورفعها لشعارات الاصلاح والتغيير من أجل مغرب افضل..
إنما ، كيف ينتقل الجرح من الجسد الى الضمير، من الواقع الى الأمل المنشود فيه؟
اذا كان الضمير في أدبياته الأولية هو ذلك الرقيب الذي يتتبع كالدركي النزيه أو الجمركي ، افعال واقوال الانسان ، فيجعل المعايير الاخلاقية والقانونية والمنطقية التي بها يكون السلوك مقبولا خارجيا ، متصَرَّفاً به مع الذات والمحيط ، فإننا يمكن أن نعتبر أن الحركة التي قادها الشباب بالخصوص، كانت الصوت الصارخ والمسموع لهذا الضمير. خصوصا وأنهم جيل جديد لم يتحمل مسؤولية بعدُ، ولم يوشم يداه بفعل يحاسب عليه أو خطأ يسجل عليه... صوت الضمير، هو صوتٌ لمستقبل هذا الوطن، أشكال التصحيح والتغيير المطلوبة فيه...
فمن يستطيع التنازل عن برج ايديولوجياته وذاتية رؤياه للعمل والحياة السياسية والثقافية والاقتصادية المغربية ، من أجل الآخر الذي يعيش معه، والذي يتقاسم معه الهواء والماء والتراب وتيارات مناخ التاريخ العام بثماره وإعصاراته...؟ باعتبار الواقع، فإن صراع المصالح يصبح دمويا بالحرب كما بالسلم، بالخداع كما بالتنافس، يصبح احتكارا من جانب واحد ما أمكن ... وباعتبار هذا الواقع كذلك ، فإن التذمر هو حول خرق معايير هذا الضمير المشترك الذي صنعناه للوطن والدولة والأمة ، حول هذه الخنادق السرية لنهب الثروة واستغلال التراث ، لرفاهية القلة وبؤس الجماهير.. وماهو أوسأ حالا، هو خيانة السياسي والمثقف اللذين شرفناهما وقلدناهما مهمة صفاء وطهارة عمل الضمير المراقب لقافلة الأمة التاريخية والحضارية ..... ناهيك عن الانتهازي الذي سمسر وباع واشترى وساوم في كل شيء، حتى في كرامته هو، تحقيقا لمصلحه الوضيعة...
باستخلاص الملاحظات العامة ،يمكن القول إن محطة عشرين فبراير والتي نزل لها في البداية الجميع،هي الشاهد التاريخي على مدى يقظة ضميرنا تجاه الوطن وتجاه التاريخ والمستقبل، من أجل الحفاظ على أمل البناء الحضاري الراقي لهذه الأمة ومن أجل الحفاظ على كرامة هذا الشعب وتنميته.
فهل يا ترى كانت الصرخة طاهرة وصادقة من طرف الجميع؟ لأجل أن تكون صرخة ضمير لا بد لها من ذلك، وإلا فإننا خرقنا نسيجه ومزقنا صفحته التي لا يمكن العيش باستقامة وعدل من دونها.