Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 22

أقفاص 22

أقفاص 22
أقفاص 22

السيدة وفاء...

يشاء القدر أن يرسم مراحل تاريخية و شخصية جديدة للإنسان. قد يجعل المعادلة صعبة لكنها تتضمن شجاعة انتقال و ولادة متجددة.

ربما هي السيدة وفاء داخل هذا القدر. اختارت رهان الحياة الجميلة. كانت نظرتها لمحيطها عميقة و متأنية في تدقيق تفاصيل كل شيء. تحتاج إلى جهد عقلي ينطلق من تجربتها ومعرفتها و حكمتها لكي تضع الشيء في ميزان حكمها و ذوقها و اختيارها أو إقصائها.

هكذا هي شخصيتها التي كان على عمران أن يفصّل خصائصها في رسالة مكتوبة سلّمها لها يدويا و تحت طلبها. أرادت منه أن يصفها و يتعمق في تشريحها أكثر بعد مراحل عمرية زاخرة تجاوزا خلالها الأربعين سنة بشكل متفاوت. كانت السيدة وفاء في الثانية و الأربعين من عمرها. أمّ لطفلين، لكنها الأرملة التي فاجأها القدر بوضعيتها الجديدة. مسحت دموعها من فوق خدّيها. عانقت شبليها اللذين ما فرّقت بين ذكورتهما و أنوثتهما. رافقتهما و رافقاها في رحلة الحياة و الدراسة و السفر و الاكتشاف و نمو الشخصية، و هي السيدة العاشقة للحياة و الألوان و العطر و اللباس الرفيع و الكعب العالي و الأناقة في كل شيء. فكيف سيكون نتاج تربيتها ما لم يوافق هذا الألق و الرقي.

في صباح مفاجئ، خرجت فيه إلى العمل، رافقت ابنتها لتصل إلى مدرستها الثانوية، بينما ذهب عمران الابن مع أصدقائه راجلين إلى حيث مؤسسة دراستهم في زاوية قريبة من المنزل بشارع الرباط. بقي زوج السيدة وفاء في غرفة نومه. ظروف صعبة يمر بها بعد أن تراكمت عليه ديون في مشاريعه داخل المقاولة التي أسسها منذ سنين. خيانة عهد و أمانة و غياب التزام من طرف من شاركهم الثقة و غامر بها في توقيع على أوراق مكلفة ماديا و التزاميا في الأداء. مرت سنة و نصف على هذا الحال و هذه الأزمة. لم يجد بدّاً من الاستعانة بزوجته التي اقترضت دينا لمساعدته، ثم كانت هي التي التزمت بتكاليف الولدين في الدراسة و الحياة و في تسيير شؤون البيت و مصاريفه. كانت الخادمة و المنظفة للعمارة التي يقطنانها هي التي اكتشفت الجثة الهامدة بجانب الأريكة في بهو الصالون.

و كانت المرحلة الجديدة التي واسى فيها المجتمع السيدة وفاء و ساندها بما أوتي تضامنا معها، بمن فيهم السيد عمران. هذا الذي أتى من الديار الإسبانية لكي يقدم واجب العزاء. استطاعت أن تقاوم و تصمد. كان لزاما عليها أن تؤازر ولديها عاطفيا حتى لا ينهارا، فخلقت من دواخلها القوة و الشجاعة و التحدي و الضبط للكلام و التصرف. امتلكت مع كل ذلك مواصفات المرأة الحديدة التي ستقود السفينة بمفردها مع ولديها.

بكت، نعم. لكنها بكت للحظات الجميلة كما للتوترات التي رافقت مرحلة ما قبل الوفاة. صدمتها الموت كما كلمة سكتة قلبية. ساندت زوجها بكل ما أوتيت، لكنها لم تستطع إرجاع الحياة و الأمل له في كل ذلك.

جففت دموعها و ابتسمت. تذكرت مع ذلك احتجاجه و لومه لها خلال أوج مراحل توتره:

ـ أصبحت تهتمين بالأولاد أكثر مني.

ـ اسمع يا سي محمد، أ، أبذل قصارى جهدي في كل شيء. ثم إنني منذ تزوجنا أعاملك بكاراميل ديال" الرومانسية...

كانت علبة الشوكلاته و الكاراميل ما تزال فوق منضدة الزينة. لامستها بأناملها في آخر شعور بالاشتياق. ترحمت على روحه و قامت لتواجه مسؤوليات الولدين و الحياة.

إنها بداية القرن الواحد و العشرين. بين عمرانين في الحب و التقدير. بين جرحين يقتسمان الماضي و الحاضر. احتاجت لمساندة عمران بن يوسف خلال هذه المرحلة العصيبة. حاول خلالها إخراجها من كل حزن يمكنه أن ينال من أنوثتها  و وهجها. داخل الألم ولّد لها الابتسامة. أحبّ كثيرا انتظارها لرأيه و إطرائها و تعليقه مع كل بكاء مفاجىء في لحظات الضعف أو كل مناقشة جادة حول مشاكل الحياة.

تستغرب لحالها. و كأنه بلسم الروح الذي يشفيها من معاناتها. لكنه هو فعلا. كانت المرحلة الجديدة و السنوات الجديدة خير برهان على أن عمران بن يوسف هو ربان السفينة التي ستنقذ ملكة عرش السيدات من الغرق و صفعات الأمواج العاتية. و كان الربان نورسا حكيما و عليما بالعواصف و الرياح و مفاجآت الماء و السماء.

( أنت سيدة متجددة الأنوثة. متجددة الشباب. متألقة الحسن و الجمال. مثل ماذا؟... مثل جبل ثلج. كلما تساقطت عليه الندف تحوّل إلى ألق و ضياء. أو إنك مثل السماء أرقى و أحلى. نعم. كلما ازدادت سنة في رحلتك، كانت مثل نجمة ازدادت معها قبة السماء ضياء و وهجا. و كان وجهك قمرا و عيناك بريقا ممتلكا للوحة و المشهد.

و ماذا أقول عنك الآن؟ السيدة الحرة؟ ملكة الابتسامة. جوكندا حية تزيدها الحركة رونقا و كمالا. كلامك الذي أصبح بلغات العالم ثقافة يفتقرها الجل منا و من النساء.

لا أدري ما هو الشعور الذي أصبح يخالجني و يسكنني و أن أخط هذا الكلام. و كأنه ساحر ينفلت من قبضتي لكي يمارس حيَله و عروضه في الجذب والانتباه و التشويق و الفضح و البوح.

بقدر حماقاتي في الكتابة و في مغامرات الحياة بقدر رزانتك و تعقلك و تأنّيك. أنت بديلي الذي لم أكنه يا وفاء. أنت الأسرة التي لم أنشئها يوما. ها أن في غربة و  وحدة الذات رغم رحلة حياة بحجم معارك التاريخ في التحدي و المقاومة و شجاعة المواجهة و قناعة الموقف و الخطوة و الاختيار. نعم هو اختيار لي في كسر أغلال و قضبان أقفاص طالما شعرت بتهديدها لحريتي داخليا أكثر منها خارجيا.

قد يكون البرهان على ما قلته الآن، وضعيَ الحالي في الديار الإسبانية. و أن أعلم أنني ضيف رغم توفّر كل شيء. رغم أوراق الإقامة و تسهيلات العيش و مسؤوليات السياسة و العمل الحقوقي. رغم السفريات المتعددة و الشخصيات المهمة التي تملأ حياتي. يقف عمران و إحدى ركبتيه مملوءة بالفراغ. أحتاج إلى دعمها بوضع كفي على جانب خصري في كل كلام و كل صورة و كل حركة جديدة.

تعليم يا وفاء، و ها أنا أكلمك عن نفسي في انتقال بين شخصيتك و ذاتي، ـ حاسبيني على هذا حين اللقاء ـ، كانت ملاحظة صديق و طبيب نفسي و حقوقي مهووس بتتبع الظروف الصعبة و فضح مسبباتها. تفسير حركة كفي الأيسر في وضعه على جانب خصري في وضعيات متنوعة. ضحكت كل مرة حين تذكر ملاحظه. ما تزال صورة لي أيام التعلم الإعدادي بنفس الوضعية. أبرّىء بها نفسي من كل تحليلات الطب النفسي و هذا الصديق المجنون.

سأتخيلك تضحكين الآن حين قراءة هذه السطور أو ترفعين السماعة أو الهاتف المحمول لكي تصرخي بضحكتك الملائكية تعليقا سيسقي فؤادي في ليلة باردة من ليالي القرن الواحد و العشرين.

هيه. وجدتها. ليست تفاحة نيوتون طبعا. فأنت تفاحتي و جاذبيتي رغم تواجد كل نساء العالم حولي. هاتفيني لكي أخبرك بما وجدتُ. كفاني هذيانا في حضرة الحكمة و سيدتها).