يقيم السيد عمران بحي سانت بوا دي لوبركا. يتحرك بين مناطق المدينة و اتجاهاتها يوميا قاصدا الأماكن التي يلتزم فيها بمهامه و عمله الجديد. يوميا خلال أربع مرات في الأسبوع، من الاثنين إلى الخميس، يقرأ التقارير التي يتوصل بها بقمر المؤسسة الحقوقية، يكتب التعليقات و يحضّر مداخلاته التي يرسلها إلى باقي الأعضاء و الهيئات التي لها ارتباط و علاقة و تقاطع.
كان ما اكتشفه مع طائرة الحلم و السماء، مع سيدة الحكمة و الضياء ـ كما سمّاها ـ، مع السيدة وفاء، مرتبطا بذاته و وجودها و فلسفة عيشها. ربما هو حلم شعري و متخيّل يحلق به من جديد كنورس كل مرة في فضاء. عمران بن يوسف يعش في الزمان و لا يعيش في المكان. تحديد دقيق لابد من فهمه و استحضاره. لم تكن برشلونة و لا غيرها من المدن الإسبانية القريبة و التي حاول الاستقرار بها، بكافية لكي ينعم بحطّ الرحال الذهنية و التواصلية و العلاقاتية.
كلما حل بمكان تفتقت رؤى جديدة، و اخترقت ذهنه عوالم جديدة تحتاج للاكتشاف والغزو و الحلول. تمزقت بنى قديمة نسجها المكان القديم و أراد قولبة الذات و التسليم بقدرية معطياته و تجمعه البشري. يجلس قبالة النافذة العريضة. تتراءى له الأحياء والعمارات بقرميدها الأرجواني الفاتح. يروّض عينيه و يريحهما بالخضرة المنفلتة هنا و هناك. من بعيد يجعل الطبيعة بنت اللامكان حيث مدن الإسمنت المكتسحة للوجود المعيشي. و يقلقه أن يرى ورش بناء جدد ضخم يأتي على الأخضر و اليابس. هنا بهذا الحي في هذا الصباح الباكر، كان عليه ان يهدأ من ملاحظات المجال لكي يتفرّغ إلى مداخلته التي سيلقيها في ندوة دولية تحضرها هيئات حقوقية مرتبطة بموضوع الأقليات و الحق في تقرير المصير.
كم تفادى أن يبدي رأيه الخاص في شتى مواضيع حتى لا يسقط ذاتيه في اشتغاله الموضوعي. لكن التفريق بين الطرفين صعبٌ جدا خصوصا في شؤون و قضايا السياسة والحقوق. الموقف قناعة، و القناعة التزام و سلوك و تعبير و توجيه تعامل:
(هل كنت في حاجة لكي أخرج من بلدي و أستقر بهذا الإقليم و هذه القارة؟ أردت تحرير ذاتي من مواقف سياسية ضيقة و أخرى ثقافية و حقوقية جمعوية. أردت القيام برسالة العالم كنورس لم تعجبه قوانين المرافئ، فقرّر أن يعمّم نداءه في جميع الموانئ. كنت كالموج الذي حكم عليه بالمد و الجزر و زيارة كل الشواطئ و مخاطبتها السيزيفية بهدير وجودي عميق.
اسمحوا لي إذا بدأت كلامي بهذا البيان الأدبي و أنا على علم و قناعة بأنكم تقدرون الوصف الأدبي و قيمته و دوره في التعبير عن الذات و بلوغ المرام في القصد. و مع سياق المداخلة، أعود لأذكر بالسؤال الجوهري الذي سأطرحه كالآتي:
هل كان للحرب الباردة دور في صناعة صراعات و صنع أقليات و خلق دويلات و تمزيق شعوب؟
كلنا يعلم دور الإمبراطوريات و الحركات الاستعمارية في تحقيق ذلك. كلنا يعلم حكمة و منطق : ( فرّقْ تَسُدْ ). Diferencia , governa.
إنني أخاطب الوعي الثقافي المستقل في الخطاب السياسي عند كل الحاضرين من أشخاص ذاتيين أو معنويين ممثلين لهيئات و مؤسسات. أما نزال نمارس أضحوكة صراعات ولت مع معادلات الصراعات الكبرى التي كانت بين المعسكرين، الشرقي و الغربي؟ ها نحن اليوم أمام وضع جديد و عولمة جديدة و وحش جديد يتغذى على الحروب و الدماء، و يعتبر العالم كعكة مشتهاة في التقسيم و التوزيع لخيراتها بين بطون الشركات المتعددة الجنسية. إنه أخطبوط ضخم يلتهم كل شيء.
سأنطلق معكم من ذاتي و بلدي. ربما سأغضب كثيرا من الأطراف. لكنني تعلمت الصراحة من العالم الكبير ألبرت إينشتاين. و أنا أؤمن بأن العيش في حرية هو العيش في الصراحة و الوضوح مع الذات مع المواقف.
في بلدي كان الصراع قائما حول الأقاليم الجنوبية. في بلدي كانت أطراف سياسية داخلية و خارجية تتسابق الخطى حول التهام هذه الأقاليم. في بلدي كانت السياسة فردية و ربما ما تزال في اتخاذ القرار. كان الظلم و الاعتقال يمارس على الجل و ليس على إقليم دون آخر. كان الانفلات من العقاب و ربما ما يزال... في بلدي كل هذا و ذاك. أنتقد لكنني أنتصر للحقيقة و ما وراء الحقيقة.
أعود لحق تقرير المصير، و أعود لهذه الذات المتكلمة أمامكم. كنت أرفعه كشعار في صراع مع النظام. كنت طالبا في كلية أمارس النضال من داخل قلعة الجامعة و قلعة الذهن. أصحبت أعيش خارج الأسوار و الأبراج الحارسة. أصبحت أرى ما وراءها. وجدت حراس المصالح الحادية العالمية هنا و هناك. بربكم و بما تؤمنون به كمعتقد، كيف للجلاد أن يكون حارسا لتحقيق العدل. كيف للذئب أن يرعى الغنم. هذا ما أراه في معسكرات يحتجز فيها الناس. افتحوا الحدود و ارفعوا السياج و الرصاص المهدد للناس، و اتركوهم يختارون أين يعيشون و كيف يحققون هذا العيش. كنت أدافع عن الجبهة في الصحراء ضد النظام. الآن، أرى أن الجبهة تحارب من أجل نظام آخر. و بقي الناس في حلبة اللعب بين بين. اتركوه الهواء يخترق الرئات، و السماء تسع القلوب و العقول.
و في البيان، أنتقل إلى القضية الفلسطينية و أجدد بأن الشعب الفلسطيني مظلوم ويمارس عليه الظلم و سادية السياسة المتلذذة بآلامه. أحرّم الحق على نفسي ما دام هذا الشعب مظلوما. فمن يمتلك الجرآة لكي يكون صريحا في الموضوع؟
أرى أن الخطاب العالمي اليوم منافق فيما يخص هذه القضية بالذات. سأرسل بيانا آخر لمن يهمهم الأمر هنا و هناك كذلك.
شكرا على صبركم و سماعكم لمجترح كلامي).
ستمر الأيام، و ستعرف مداخلة السيد عمران بن يوسف صخبا في ردود الفعل. سيعتبرها البعض عدم حياد من طرف حقوقي دولي. هكذا سيستقيل من مهامه و يعيش حريته كمثقف و أديب. لكنه في الوقت ذاته، ستبدأ حياة جديدة عنده. أصبحت البيانات متعددة. تعددت معها اللقاءات الإعلامية التي ستفصّل أكثر معه في المواقف و في الموضوع. دخل على الخط ممثلو النظام المغربي في متابعة و معالجة هذا التوجه الجديد عند السيد عمران. و ما دام قد سلك بيان الصراحة العالمية فقد صارحهم بأن بياناته لا تهم النظام و مؤسساته بقدر ما تهم الموضوعية و العدالة الإنسانية. من أجل الشعوب و ليس من أجل الأنظمة. فالأنظمة يمكنها أن تشتري الفرد في مواقفه بالملايين، لكن الشعوب تشتريها بالضمير و بالتاريخ. و كان الاتصال على أعلى مستوى داخل بلده. نوّه بالشجاعة وطلب متابعة موقفه و تأييده بقناعاته. آمن الكل بالنسبية و البحث عن المستقبل و عن الحد الأدنى من التحقيق في الآتي. المهم مد الجسور و عدم قطع أوصالها و الاستمرار في التقارب داخل الاختلاف.
انضافت لوحات جديدة لمشاهد مسرحية ( سيرة نورس ).عادت صباح من جديد لتعتلي خشبة المسرح برفقته. هذه المرة، كان إقليم كاتالونيا هو المستضيف. كان المشهد الرئيسي الأخير يضم أبراجا و أسوارا، أشكال زي عسكري يعكس جيوشا متحاربة فوق أبراجها. كانت أجساد عارية وسط الخشبة ضحية القنص المتبادل من أعلى الأبراج المنصوبة. كان التباهي بين القناصة بعدد الضحايا و غنائم كل جولة. النورس يفطفط في كل طلقة. يستعين بمخالب تعيرها له صباح ـ صوت الأطلنتيس المغيّبة ـ. يهدم النورس الأبراج والأسوار. يسوّي العالي مع النازل فوق الخشبة. يدعو لإقامة عالم جديد متساو. يدعو إلى اختيار مع الجمهور:
ـ اصعدوا عندنا إلى فوق الخشبة أو لنزل نحن عندكم كجمهور.
نهاية المشهد و المسرحية.