Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 28

أقفاص 28

 

عمران الحلوي. في رؤية عينيه شبه لأمه. في رؤية قامته و بنيته ملامح شبابية يتخيل عمران بن يوسف من خلالها طيف المرحوم أبيه. لقد أراد عمران بن يوسف أن يبقى و أن يعرض صورته القديمة أمام عمران الحلوي. منذ تعارفا كصديق للعائلة ثم كتقدم للزواج من أمه، تبلورت صورة رمزية للمناضل الذي ضحى من أجل وطنه. احترم خلال كل ذلك ابن وفاء رغبة أمه. كانت التربية التي تلقاها مع أخته تجعلهما يحترمان شخصية أمهما و يؤمنان باختياراتها و قوتها. لذلك وجدا امتدادا لهذه الخيارات في الوضعية الجديدة التي أصبحا عليها. ذلك أن مناخ باريس الثقافي و الاجتماعي ساعدهما على تقبّل التعايش مع زوج الأم. و لم يكن أي زوج. فلقد تراكمت إيجابيات الصورة الثقافية و الفنية و الأدبية. تابعا مسرحيته لمرتين على الأقل. و ما دامت مسرحية متجددة و مضيفة كل مرة لعناصر جديدة في البوح و التشكيل فوق الخشبة، فقد اعتبراها كتابا مفتوحا لا يكتمل ما دامت الحياة مستمرة. هكذا عشقا شخصية البطل و كان بالنسبة لهما ذلك النورس الذي يفتح لهما عالم الخيال رغم صغر سنهما. لكنهما الآن و قد بلغا و تجاوزا مرحلة العشرينيات من العمر، أصبحا بفضل تعلمهما و تثقُّفِهما المستمر قادرين على التواصل و المناقشة في مواضيع مجردة أو تاريخية و مجتمعية معقدة. يمتلكان المنطق و القدرة على التحليل و جعل ذلك الرابط بين العناصر و ملامسة المتناقضات و تفكيكها...

يجلس عمران الأصغر أمام عمران الأكبر. يتصاحبان في غياب الأم. يمتلكان رصيدا من التعارف و الصداقة و من مسافة الاحترام. هذه المرة كان الأكبر في حاجة إلى الأصغر لكي يبوح له بمكنونه. هكذا أراده إذن. فليكن.

جلسة استلت من التاريخ ذكرياته المؤلمة و السعيدة. اجتر فيها ابن يوسف مسار حياته النضالية. استحضر أسماء أصدقائه في درب النضال. استحضر بلباقة شخصية وفاء المتميزة و الناجحة في مواقفها النضالية منذ الجامعة و ثقافتها الراقية داخل المجتمع. كان ظمأ ابن الحلوي كبيرا لمعرفة المزيد عن سراديب و ظلمات و أسرار جبل تازمامرت و السجن المركزي. و ها هي الشهادة الحية على لسان معتقل سابق.

ـ زارني خلال هذا الأسبوع صديق قديم من جماعة المعتقل. و قد فاجأني بالصورة الجديدة التي أصبح يفكر بها و يعيش بها. كنت أحمل أفكارا جاهزة و خاطئة عنه، لكنني أدركت بأنني على خطإ. ما استفدتُه حقيقة هو أهمية التواصل لمعاينة اللحظة و الواقع و الحال والظروف و لسماع رأي الآخر قبل الحكم عليه.التواصل و الزيارة يحرقان جهل و بعد المسافات. فالمجهول يصبح معلوما.

ـ هلا أعطيتني شرحا أكثر.

لم يكن عمران الأصغر متسرعا لإبداء رأي ما. هذه عادته التي تميز شخصيته. يستوعب ويسمع جيدا و يترك للزمن قياس التحليل و الاستنتاج. عمران الأكبر يدرك هذا و يعلم إيجابيته و يستغله في مزيد مناقشة و تواصل مع عمران الأصغر. لعبة أصبحت بين الأربعة: صُبْح، و وفاء، و العمرانين، جميلة و مألوفة. أصبح النداء عليهما بالأكبر و الأصغر مداعبة و مستملحة مقبولة. أضيفت لهما كلمة السلطان. و حينما تجتمع العبارة يكون تمثيل الانتشاء و التبجيل: تبارك الله على مولاي السلطان عمران الأكبر. أو هو مولاي السلطان عمران الأصغر. مملكة وجدان توطدت مشاعره و خلقت ألفة جميلة في العلاقة فكانت سعادة عمران بن يوسف في تحقق أمنيته الوجودية التي أرادها، أن يعيش داخل جو أسرة ثقافية و ليست جينية وراثية. لكن الحدس يستشعر الانغماس في ثقافة عصر تغلب في مجتمعات و تضعف في أخرى. فماذا عن الاغتراب عن المجتمع الأصل؟ الاغتراب خلقه البعد المادي المكاني، ينضاف إليه هذا التعمق مع المعيش اليومي في ثقافة الحياة الباريسية، فيصبح اغترابا سلسا و مكتملا. و لعل العمرانين سينخرطا بدرجات في هذا الاستنتاج.

ـ حتى تعلم يا عمران، لا يكون المرء شاعرا بالكمال أبدا. لم أكن مرتاحا لقراراتي بشكل كامل خصوصا تلك التي ترتبط بعالم السياسة. لذلك وجدتني مرتاحا في البعد عنها أفضل. ومجيء هذا الصديق كان مرآة تعكس وضعيتي النفسية بين تقبّل ما يمكنه أن ينتقدني به وما يمكنني أن ألومه عليه. ظننت أنه مثالي و خيالي و طوباوي.

ـ هلا شرحت لي يا عم عمران معنى طوباوي.

ـ عبداللطيف الهاروش... ماذا أقول لك؟ حالم بمملكة مجتمع عادل و متساوٍ و خالٍ من كل طبقية و استغلال. مجتمع بدون نظام حكم. هو الحلم الشيوعي طبعا. أظنه ما يزال يؤمن به. و لعلنا نؤمن به جميعا. لكن هذا الإيمان يختلف. قد يكون عندي الآن أمنية. أما فيما مضى فقد كان بديلا مرجوا و عقيدة ثابتة في التتبع و طلب التحقيق. فالطوباوية ستعني ضبابية رؤية و مثالية تفكير بعيدة عن الواقع و نسبيته. العالم اليوم أصبح واقعيا و قابلا لنسبية كل الأفكار و السياسات. لقد ولّت المنظومات و النسقيات المطلقة.

يسود صمت جميل جلستهما الهادئة. كلّ في أريكته يتسمع للآخر. يضع الأصغر كفه الأيسر على جبينه و يسترخي مغمضا عينيه. لكنه سرعان ما يعود لفتحهما و متابعة كلام عمران الأكبر. بحدسه يختبر هذا الأخير

عدم استسلام الأصغر للرغبة في النوم، فيتابع كلامه.

يفاجئهما و يخرجهما من سهرتهما المتحدة في التسمية رنين الهاتف. يبادران إلى ملء الاستفسار مع السيدة وفاء. يعللان سبب هذا المؤتمر الاستثنائي. يتلاشى الموضوع الرئيسي  و يغلب التواصل المناسب للاشتياق. الأمر الذي يترك عند عمران الحلوي مزيدا من الغربة في التعرف على عالم صداقة عمران مع عبداللطيف. عالم الأحكام المسبقة أو الخاطئة التي قد يسببها عدم التواصل و عدم المواجهة لكل أمر جديد. على الأقل كان ارتياح عمران الحلوي لهذا الاستنتاج الأخير.