يعتبر السيد عبداللطيف باهوش عضوا من مجموعة المعتقلين الذي بقوا على خط التوثيق والتذكير بالبيانات القديمة و الالتزامات الرفاقية فعلا. منذ استقرارهم بالسجن المركزي آثر وضع نهج نضالي تصعيدي كل مرة. كان الجل يحترمه لجديته و صرامته. هو طالب فعلا، لكنه موظف في نفس الآن بشركة محاسباتية بمدينة مكناس. كان تنقله بين مكناس و فاس يزاوج بين الدراسة و العمل. و كان حضوره للميم الصيفي الاضطراري هو ما أقحمه في مرحلة بين الجبل و البحر، خارج العيش السليم للبشر.
علاقته بالمرجعيات مقدسة و حرفية في الحفظ و القراءة و التأويل. مغرم بالتجربة الصينية و تواق إلى ماركسية لينينية في نفس الآن، لكنه في حيرة من أمره حين النقاشات، بحيث إنه يرفض حلول أي مرحلة انتقالية قد تقترح لتطبيق الماركسية اللينينية بالمغرب. كان هذا التشدد يخلق له خلافات و كأنهم على ثانية من تنزيل برنامجهم النضالي في حياة المجتمع. كان عبداللطيف باهوش ممن استعصى على المجموعة إقناعها بالتوافق مع إدارة السجون والوزارة الوصية على المعتقلين السياسيين. رفض أية مساومة و دعا إلى محاكمة المسؤولين و زجهم في السجن و تحرير الشعب من قبضة المستغِلّين... اقترحوا عليه تأجيل مناقشة هذه التفاصيل حتى الخروج من السجن. كون المسألة تاكتيكية فقط. وقّ على مضض و تحت ضغط نفسي انفلت منطقه حينها و تراخت صلابة موقفه. لكنه بعد الإفراج عن المجموعة في بداية التسعينيات بدأ البحث عن الخروج خارج المغرب. وجد ضالّته في موجة الهجرة السرية التي أكلت حيتانها أجساد و أبدان الشباب و الأطفال. عبر إلى الديار الإسبانية وداخلها كان طلبه حق اللجوء السياسي.
بعد انقطاع دام لمدة طويلة، ها هو يعود برسالة مفاجئة من داخل العاصمة باريس لصديق قديم في درب النضال و الاعتقال، لعمران بن يوسف.
ما تزال الندبة تسم جانب ذقنه الأيسر. أثر قديم يوقع لنتيجة دفعة وحشية أثناء لحظات التعذيب التي عاناها في المعتقلات السرية يوما ما خلال سبعينيات القرن العشرين. كان عبداللطيف الهاروش يكبر المجموعة سنا بستة أعوام. هو الآن على مشارف الستينيات ببنية نحيفة و عينين دائمتي النظر إلى أسفل. غض بصر ورثه عن تربية طفولية يجعل كلامه ينوب عن النظر في تبليغ الرسالة، و خجل تكشف من خلاله اندفاع الشخصية حين الكلام لقول كل شيء.
بدلة سوداء و معطف مفتوح يخترق لونه البني الداكن شال رمادي مفتوح. كان لقاؤهما تنقلا لعمران بن يوسف حتى الضاحية الشمالية عبر محطة الميترو في مقهى الباحة. تعانقا اشتياقا لصداقة و مدة من عدم اللقاء. كان السيد عبداللطيف قد جلس منذ مدة نصف ساعة قبل أن يلتحق به عمران بن يوسف في الموعد المحدد.ة الساعة تشير إلى الرابعة و النصف، كان خلالها السيد عبداللطيف يتابع عبر الشاشة الصغيرة بجانب المقصف حدث مرور طبق فضاءي بجانب برج إيفيل ليومه الأربعاء 24 نونبر. بدت السماء بغيوم متفرقة و كست الشمس السحب بلون قرمزي في انتظار أفولها و كتمها لسر هذا الخبر الذي سرت له باريس و عشاق أخبارها عبر العالم.
حينما رفع عينيه لرؤية هذا القادم بخطاه الهادئة من مدخل المقصف كانت الابتسامة ترتسم على محياهما. لم يعلم السيد عمران بأن ابتسامة السيد عبداللطيف انعكاس ساخر لما تابعه. يرفض كل إشارة لما هو فوق طبيعي أو خيالي. يعيش واقعية حادة تحرم حتى مشاعره من التعبير عن أمنياتها الحالمة. هكذا يعرفه عمران و يعرف شخصيته. تطابقت مهنة المحاسبة مع تدقيق كل خطاب أو تحليل و ضبط جمله و حروفه و دلالاته. لذلك كان عمران بحدسه مستعدا لكل اللوم و الانتقاد الذي سيسمعه من رفيقه القديم السيد عبداللطيف.