Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 29

أقفاص 29

أقفاص 29
أقفاص 29

 

ما يزال طرد السيد عبداللطيف موضوعا بجانب السرير. حينما أراد السيد عمران بن يوسف أن يطفئ مصباح المنضدة لامس غلاف الطرف أو الظرف، استشعر حرارة كهربائية تسري في شرايينه. بحدسه كذلك استشعر فراغات منسية في اللقاء أو في قراءة مضمون هذه الصفحات. استوى من جديد مستندا على وسادتين بدل واحدة. مسح زجاج نظارتيه. أخذ في البداية سيرة و صورة الشهيد جبيهة رحال. تأمل ملخصها و حاول جعل علاقة بفحوى ما ناقشاه أو سبب اختيارها ضمن الرسالة. لاحظ أن صديقه قد جعل خطاًّ تحت فقرة معينة: (في يوم 15 أكتوبر من العام 1979 ستفقد الحركة الماركسية – اللينينية المغربية واحدا من خيرة أبناء الطبقة العاملة و الشعب المغربي...

و  قد استشهد المناضل العمالي الماركسي- اللينيني البارز جبيهة رحال خلال محاولة للهروب من المستشفى(مستشفى ابن سينا بالرباط) بغية استئناف عمله الثوري خارج السجن.
لقد وهب رحال حياته لتستمر شعلة النضال و المقاومة للنظام متقدة، تنير درب اليسار الثوري. هكذا سقط الصقر الأحمر في خندق النضال شامخا في صمود و عزة و كبرياء ليلتحق بقافلة شهداء الحرية بأبطالها وملاحمها الخالدة. لقد أدى مهمته التاريخية مبدعا في العطاء ووهب روحه بكل سخاء، سخاء الثوريين العظام)).

يستلقي عمران بن يوسف على ظهره. ينزع الوسادة من تحت عنقه إذ يشعره بتشنج رقبة فوقها. تظل عيناه جاحظتين لأعلى حيث انعكاس ضوء المنضدة هندسيا في شكل صحن مستطيل. يفتح داخل مجاله الضوئي المنعكس ذاكرة الأحداث الماضية. سنة 1979 و شهر أكتوبر كانت الجماعة المعتقلة قد نُقِلتْ إلى جبال الأطلس. مات بعضهم خلال التعذيب. انقطعت أخبار البعض الآخر. هي بداية رحلة عذاب. الطقس القاري الظي بدأ يزحف ببرودة فصل الخريف ثم فصل الشتاء. بداية انتقال الآلام من خارج الجسد إلى مفاصله و أحشائه. تحتبس دمعة عفوية على جانب مقلة العين اليسرى. يداعبها في الاستمالة فتتدحرج لتستقر و تنسكب فوق الوسادة. آثار دمع على الشراشيف. بقعة مبللة و مالحة. رائحة منسية من زمن الرصاص. دمعة مقتطعة من سكرات الموت المؤجلة. منبّه سابق لأوانه. هل تريد الموت ندائي و دعوتي إلى خُلدها؟ استنشاق هواء مفعم بالسؤال الأخير. و هذا الحنين النكوصي الداعي للراحة الأبدية. رحلة الوجود السرابية الخادعة. الحاجة إلى الهناء المطلق. هذه الذات المنهكة و المتعبة. هذا الفراغ الكبير الذي هو الحقوقية الكلية المتبقية. هذا الانسلاخ للذات عن شجرتها الكبرى كفرع يابس منهك و معدَم الخلايا والحياة، تساقطت أورقاه و أغصانه فما عاد سوى خشب بل حطب معَدٍّ و منتظر للاتقاد.

يتقلب برأسه جهة اليمين. أوراق أخرى تدعوه لإعادة التصفح. ما تزال عندك مهما يا عمران في هذه الحياة قبل الممات، و لو كانت لحظات، فعليك أن تقرأ هذا التقرير من جديد والمشكّل من 67 صفحة. و كأنه روح جنية انتظرت اختلاءه بنفسه و انعزالها و ذهاب من يملؤون حيز حياتها الاجتماعية، تريد أن تسكنه في لياليه الانفرادية المنسية. آهٍ. لا أحد يعلَم بأن عمران بن يوسف يعيش حيوات داخل واحدة. و أقساها تلك المعتزلة لاجتماعه وعاطفته. بنت عالمها غرف الاعتقال و الزنزانات الباردة و الرطبة، و روائحها القاتلة ببطء والخالية من كل عطر إنعاش. إنه فراغ الجحيم الذي أدى ثمنه من أجل حرية منفلتة عن التحقق.

(( الحرية سراب منفلت. كلما حاولتُ القبض على أفقه تبخر و راقص أوهامي و ضحك ساخرا من يقيني فابتعد مسافة وهم جديد و ظمإٍ مُجْهِدٍ جديد.

الحرية ! حلوى أغلال توقع الطفل الساكن فينا في تغرير الاشتهاء و حلاوة المذاق.

الحرية، كمال منعدم، و عدم مكتمل في نهاية السباق.

يسألونك عن الحرية، قل هي راحة خلاص في نهاية السباق.)).

خطّ هذه السطور على ظهر ورقة من ملف السيد عبداللطيف باهوش. أطفأ نور المصباح و خلُدَ لنوم عميق ربما كان مؤجّلا من الأزل، ينتظر هذه اللحظة في توقيع بيان الفصل بين الحياة و الموت.

للغد، بعث بما كتب و ما أضافه كملاحظات للممثلة المسرحية و الفنانة صباح، كذا لمخرج المسرحية المنبعثة من رماد الزمن النورسي ( سيرة نورس ). ربما هي البيان الأخير والفصل الأخير الذي سيتضمن رحلة النورس في البحث عن الحرية و التخلص من أغلال الأقفاص. سيتلقى بعد أيامٍ ردّأ إلكترونيا يتضمن تصوّرا لمشهد جديد ينضاف إلى المسرحية دائما. يقترح عليه المخرج السيد عزيز زكرياء مشهد أقفاص. واحد وسط الآخر بعدد مشاهد و فصول المسرحية. هذه المرة سيكون حضور نورس حقيقي من لحم و دم وريش و نداء. و حيث يظن الإنسان أنه الوحيد من لحم و دم. أنه الوحيد الذي تكون النفس و الحياة عزيزة عليه. سيبدأ المشهد بمحاكمة المخرج. هذا الأخير سيتحول إلى المسؤول عن النكبات و الاعتقالات و أقفاص الحياة. سيد الاختناق. هكذا سيتم نداؤه و تسميته فوق الخشبة.

ربما عاش و يعيش السيد عمران مناخ المشاهد بشعور و إحساس حقيقين في حياته اليومية و المعيشية. ربما يكون الصعود فوق الخشبة مجرد تنفيس لضغط حمولتها. لم يعدْ يدري في لحظات أيهما الحقيقي من المجازي، مسرح الحياة أم حياة المسرح. يؤجّل الحسم في الجواب على السؤال و يترك لصفحات التقرير ال67 ترك وقعها و أثرها في قراءته لها كيفما تشاء.

سينتظر مرور فصل الخريف و الشتاء. سينتظر حتى شهر يونيو في الحقيقة لكي يعود لنفض الغبار عن كل هذا الوقع.و خلال هذه المدة كانت الحياة تأخذ شكلا من أشكالها المبتغاة قدرا و اجتماعا و ثقافة و أدبا و فنا و حياة.