جلس لمدة أسبوع تقريبا بعيدا عن كل تواصل. احتاج لجمع شتات دواخله. حاسمة هي قراراته، نعم. لكن الانتقال لوضعية جديدة يحتاج منه إلى ترك نقع هذا العدو يذهب بغباره، إلى صفاء سماء من زوبعة غيوم متشكلة. بعض من هذا لا يعيه كأفكار، لكنه بحدسه يعلم صعوبة أي قرار. جزء منه تسكنه نادية، و لايستطيع التخلص منه، كما لا يرغب. صادق هو فيما يفكّر فيه و يعبّر به كمشاعر. يوم اختار الارتباط بنادية لم تكن نقاط ضعف حاضرة و لا طمع مادي و لا تعويض و لا انتقام. هكذا واجه زخم مشاعرها و وهج اشتياقها للارتباط به بعقلانية هادئة. كان رفاق الأمس مشاركين في جلسة سمر و في سماع ما يفكر فيه و يرغبه.
يجتاحه ذلك الشعور بالتكبيل و هو مقيد بالزمن و التوقيت و الجدران و البيت. قلبه و قد أصبح يعيش حساسية تجاه الأغلال. معنوية كانت أو مادية. يبتسم لحديث سمعه و ينقل تشبيهه لمساره و تجربته، فيؤوّله بما يراه يناسب ثقافته. ذلك القلب و قد نُزعت منه النقطة السوداء. هي عند عمران كرة الخوف النووية التي تسكن أفئدة البشر عبر التاريخ. يرى في الظلمة الرؤيا، فيفسرها بما ارتآه فعلا. تهديد الوجود بالفناء هو ابتلاء البشرية بالوعي الذي تمتلكه. لو أن هذه البشرية آمنت بقانون الطبيعة و انتقال البقاء للنوع بقوانينه الدافعة، لعاشت بطريقة تسليم سليمة خارج الخوف المرَضي الذي تعيش فيه و خارج قانون الترغيب و التخويف. ذلك الطمع المتبوع بعسر الحياة و امتحانها الثقافي الشاق.
لكن قلبه يخفق لفكرة الأغلال. لا يريدها حاضرة. يجد لنفسه مبررا للارتياح و الانتقال من حال إلى حال. عزوبية جديدة هي، لكنها ضرورية لكي يشعر بهذا الارتياح. لقد عاش القفص الصدئ و عاش القفص الذهبي. تُرى، ما الذي ينتظر هذا النورس في تحليق الحياة. يتفكر مسرحية سيرة نورس التي يخوض غمارها. هو وحده يعلم بأنها معركة داخلية يعيشها في تحدٍّ لشيء مجهول و جديد سيأتي مع الزمن. الحياة الجديدة بأكملها، لم تعوّضه عن سنوات الضياع و الاعتقال. لم تحقق له ما ناضل من أجله و ضحى من أجله. يهاتف حكيم و يدعوه للقاء جديد بالعاصمة الرباط في سكناه الجديدة بحي المحيط. وجودية سياسية، هكذا سمى اللقاء و النقاش.
حي المحيط بالرباط. لن يجادل أحد في كونه قد أصبح من أقدم الأحياء و أعرقها في اختزان ذاكرة المدينة، و بالخصوص الذاكرة الجديدة للتاريخ الراهن و المعاصر لها. و رغم كون الحي الذي استقر فيه السيد عمران بن يوسف، يعتبر من الشوارع النقية و النظيفة، لكونه يتضمنه عمارات جديدة في جلها و بعيدة عن التموقعات الشعبية للتجارة و الحركة الاجتماعية المرتبطة بها، فإن عمران لم يرتحْ له بال. ازداد قلقه مع الظواهر المتفشية و المتولّدة هنا و هناك. اجترّ تاريخ عقود للمدينة مفعم أو محتقن بم خرج من شوارعها من تظاهرات و ما عاناه السكان من مشاكل.
كان حي المحيط امتدادا متوسعا للمدينة الجديدة التي رسمها و خططها المهندسون. لكن المشكل الطبيعي ارتبط بدرجات الرطوبة التي تسوده و تغطي جوانبه. ما من حديد إلا صدئ. أبواب و نوافذ و إطارات و سيارات... كم من أقفاص صدرية أُنهِكَتْ رئاتها، منضافة إلى السجائر و قنينات الإدمان الرخيصة. هجرت الساكنة ذات الإمكانيات هذا الحي، سواء إلى حي أكدال أو الرياض أو أحياء أخرى. في حين هاجرت إليه فئات اجتماعية جديدة ارتبطت بظواهر هجرة أو وظيفية مهنية. اختلطت الأمور و السلوكات. أصبح مكتب المحاماة بجوار معمل نجارة، و مطبعة ورقية بجوار خياطة أو صالون حلاقة... قاوم التخطيط العمراني هذه الفوضى، فتباينت الأزقة و الشوارع في تناقضات شارخة. كما تباينت أشكال العيش بين اليسر و العسر، و ازدحمت مداخل حي المحيط مع المارين و البائعين و مع أحياء القصدير التي عانقت رطوبة البحر و نافست النوارس في اقتيات من شباك سمك يتيمة يجود بها المحيط الأطلسي.
كل هذه التراكمات الذهنية عند عمران بن يوسف زادته توترا على توتر. و كأن الزمن يعود به إلى الوراء بعقاربه لكي يختبره في مواقفه السياسية. أخرجته الجامعة بثورة حالمة بالمبادئ و الأفكار و الفلسفات الكبرى و إديولوجياتها. تخرّج من مدرسة السجن الواقعية. عرّاه التاريخ من أوهامٍ و سحب عابرة. احتضنه وسط عمراني راقٍ و وا عدٍ بالحياة. لَفَظه كحوت نافق إلى جانب البحر. اختنق بالرطوبة كما اختنق بالتناقضات الاجتماعية و الثقافية التي أفرزت مدنية مشوّهة. ها هو الآن بين مجد النجومية الثقافية و الإعلامية، و بين استفزاز الواقع السياسي و الاجتماعي. كلها توترات ستزيد من حدّة النقاش مع رفيق دربه حكيم العمراني.