Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 14

أقفاص 14

أقفاص 14
أقفاص 14

 

ثلاثة عشر سنة. أربعة عشرة إلا واحدة. وقع الاستثناء و لن تكتمل السبع التي تحدث البركة في الذكر. خلال الأسابيع التي سبقت مفاوضات الإفراج و السراح النهائي و رؤية نور الحرية و انطلاقة الحركة، بدأ ليل عمران بن يوسف يطول. أخذ يراجع وضعه الجديد. لم يكن الإفراج مجانيا طبعا. سبقته مفاوضات و توافقات قبلية. مجموعة من المواقف السياسية كان لابد لمجموعة التسع أن توافق عليها و تخرجها كبيان سياسي يناسب بالمقابل ما ستتخذه الإدارة العليا بقرارات عليا.

من سيحاسب الزمن الذي هُدر هنا و هناك قبل هذا الهنا؟ شريط آلام و فقدان أمل. بين لماذا و ماذا، كانت الحيرة فيما ستقبل عليه المجموعة. لا نقاش في ثلاثية السيادة: الروحية و السياسية و الترابية. تلك اللاءات الثلاث التي ستصبح في قاموس المجموعة مقبولة و متوافق عليها. كان دخولها في تنظيم حزبي جديد يشكل توجه اليسار المتوافق مع العملية الديمقراطية التي يسير المغرب على منوالها، قد يسّر للإدارة عملية التأشير لإطلاق سراحها. و كان خروج الأفراد كأبطال أتوا من معركة منسية و سيؤثثون الفضاء و العمل الجديدين.

أعطوا الانطباع العام بأن الوضع السياسي الجديد هو الأمل و هو الأفضل. داخل نسبية حاسبهم عليها رفاق أمس و يوم يتقاطعون معهم مواقف كبرى رسمت تاريخ اليسار المغربي، ها هم الآن في الواجهة الإعلامية و السياسية و الثقافية.

يُسائل عمران بن يوسف صديقه حكيم العمراني:

ـ هل كان علينا أن نجعل تخصصا دراسيا داخل السجن يؤهّلنا للإجابة على الأسئلة المتعطشة للناس و للهيئات حول وضع البلاد و الحلول السياسية و الاقتصادية و الثقافية التي تليق به؟ ينتظروننا أن نكون عباقرة، و نحن مجرد ضحايا مرحلة و سياستها. نحن بسطاء و أفكارنا بسيطة. يحمّلوننا مسؤولية لسنا قادرين على عبئها الآن. لسنا بأنبياء و لا هذا بزمانهم.

استقبلتهم هيئات حقوقية و حزبية مهمة حين خروجهم في باب السجن المركزي. عناق حار و كلمات و شهادات. صور تذكارية و حوارات صحفية و تغطيات إعلامية. حافلة سياحية ستأخذ المجموعة و معها وفد ممثل للمجتمع المدني و السياسي نقلتهم إلى فندق فسيح ومصنف بالعاصمة الرباط. إجراءات إدارية و أمنية كان على المجموعة أن تمتلك معها صبرا قبل معانقة أحبابهم و أهلهم و ذويهم، أو قبل الترحم على بعضهم أو على بعض من المعتقلين الذين لقوا حتفهم هنا أو هناك بين الصحراء و الجبل.

بطاقات هوية جديدة و لقاء مع الأسر في بهو الفندق و سيارات خاصة نقلتهم إلى ديارهم الأصلية التي يرغبون في التواجد بها بحثا عن تغذية فطرية مفقودة. أما عمران، فقد كان اتفاقه مع نادية لكي توفر له شقتها بالرباط لكي يستريح بها لمدة و يستقبل فيها عائلته أمه وأخته طبعا. كانت نادية الضيفة و المضيفة. هيّأت له ما يناسب. استقبل أهله و أصدقاءه القدامى و الجدد. استقبل شخصيات حزبية و سياسية و ثقافية و أدبية. شعُر بضغط جديد فرضته أجندة المواعيد اليومية الجديدة و منصات التواصل الجديدة كذلك.

شقة بحي أكدال و لباس جديد اختار فيه الألوان الشفافة و البيضاء. كان شهر مارس من سنة 1992. كانت الاستحقاقات الجديدة مقبلة في شهر أكتوبر من نفس السنة بعد أن سبقها الاستفتاء على الدستور الجديد في شهر يونيو. وعود بمرحلة جديدة بعد أن هيمنت الأحزاب الإدارية على أغلبية المقاعد و الجماعات. في حين لم تعطِ نتائج انتخابات الغرفتين بونا في الأرقام و لا منطقا واضحا في تبايناتها. مرحلة عاشها عمران بن يوسف تحت ضغط جديد. فقد كان لزاما عليه أن يتبنى موقفا واضحا يطّلع عليه باقي المناضلين الذين يرون في تجربة نضالهم و اعتقالهم الشمس الجديدة التي ستزيح العتمة على الحياة السياسي و ستنشر الحرية كما تأملها الشعوب المتعطشة للتحرر، لكن عمران في قرار نفسه كان غير مقتنع بمؤشرات المرحلة و لا مشجَّعا على تزكيتها. توارى إلى الوراء ما استطاع، و ترك لكوادر الحزب الإعلامية أن تصرّح و تقرأ البيانات. كانت الاختلافات الداخلية مؤثرة على ما سبق و ما سيأتي من مواقف و التزامات و إلا بماذا سيفسر عدم التصويت على الدستور الجديد و اعتباره غير كافٍ،  و الدعوة للمشاركة في الانتخابات التي ستأتي فيما بعده؟

استغراب جعله يوسّع من دائرة الثقافة و الأدب في حياته و يقلّص من دائرة السياسة و الحزبية فيها. و بينما آثر حكيم العمراني جعل قطيعة مع كل عمل سياسي و اخذ تقاعد عملي عنه مع التفرغ إلى التجارة و البيع و الشراء، لغة الإنسان القديم في المقايضة، اختار نورالدين الجليل حياة المنفى و العيش بالمهجر. بينما بقي السبعة الاخرون و من ضمنهم عمران بن يوسف داخل التزاماتهم السياسية و الحزبية اليسارية مع تبايد في مواقع المسؤولية و العمل فيها.

حي أكدال بالعاصمة الرباط ليس بالحي العادي. فقد شكّل وسط النخبة الإدارية و الطبقات الاجتماعية المتوسطة و الراقية، و وسط حياة التحرر في العيش المدني اليومي. يقصده حتى كبار القوم في تسوّقهم و ترفيههم. كما تعيش في الجاليات و البعثات الديبلوماسية من مختلف الدول و القارات. لذلك، وحينما آثر عمران الاستقرار فيه، رآى بعضهم ذلك بداية انتحار طبقي. ضحك ساخرا من مثل هذه التعاليق و دعاهم إلى خوض تجربته في كهوف الأطلس المنسية أو في رطوبة سبو الصدئة. اتضح له حضور مثاليات و أوهام أفكار تحررية عند بعضهم. استشعر مثالية مرحلته الطلابية معها فقام بكتابة نقد ذاتي لتجربته و مواقفه السياسية علّه يجد مخرجا للمرحلة. كان المثقف حاضرا بجبّته و نورسه داخل كيان السياسي.

سنة واحدة جعلت من الثنائي نادية و عمران في الواجهة. تشاركا اللقاءات و السهرات و التكريمات و التوقيعات. ارتقى الظهور إلى الإعلان عن ارتباط رسمي بين الزوجين. إلى ذلك الحين كانت وفاء في بحر حياتها الاجتماعية و المهنية و الأسرية. لكنها في ذات صباح قررت المجيء من مدينة تطوان حيث مقر عملها و سكناها إلى العاصمة الرباط في طلب لقاء على انفراد مع عمران بن يوسف.

عيناه جاحظتان بابتسامة طفل وعدوه بأمومة لم تكتمل. ماتت أمّه بعد ثلاثة أشهر تقريبا على خروجه من المعتقل، و كأنها كانت تنتظر أن تظهر المعجزة و تطلب الانتقال إلى السماء. لم تتصور أن تحتضن ابنها بعد غياب أرسل خبر وفاته مرات متعددة قبل أن يشرق الأمل و تبدأ رحلة البحث عن تحريره من قضبان السجن و الاعتقال. كان القلب فيما مضى هو الذي فقد القدرة على الرؤية، و انتقل ضعفها إلى العينين بفعل الدموع الحارة المنهمرة على الفقدان و الابتعاد و الحرمان و على ظروف العيش و الاعتقال. لكن الأم المناضلة التي تمّ تكريمها في سنة 1989 لتزغرد بحق ابنها في الحرية أما وسائل الإعلام فقدت البصر و كأنه استراحة من معركة صدمة الواقع و معاينته. حين زيارات عمران لها بالمدينة الجبلية يجدها جالسة فوق درج بجانب عتبة المنزل الذي احتضن طفولته و صباه و شبابه. تسابقه إلى الطمأنة:

ـ يا عمران، لقد أصبح قلبي أكثر ارتياحا الآن. أتمنى من كل قلبي أن تعيش في هناء. لم أعد في حاجة إلى هاتين العينين لأرى بهما الآن. إنني أراك في قلبي و أتغذى بهذه الرؤية.و الحمد لله على كل حال.

في التقائه بوفاء، داخل قاعة مطعم راقٍ بحي أكدال، كانت محاكمة جديدة لمرحلة و علاقة أرادت لها وفاء أن تبرّر و تجد موضعة و تكييفا جديدا لها. ستدخل الحسابات النفسية في التحليل، و سيحتاج عمران إلى كل صبر للعودة بالزمن إلى الوراء لكي يحاسب مشاعره و يصرّح بما دار في دواخله و يجعل تبريرا لما اختارته وفاء فيما بعد.

ـ على العموم، هي مرحلة جديدة نعيشها نحن الاثنان. أنا اخترت بناء أسرة، و أنت اخترت الارتباط بصديقتي في الجامعة. أتمنى أن نبقى صديقين و نبنيَ مرحلة جديدة من التواصل و اللقاء. في الحقيقة، لستُ مستعدة للقاء نادية الآن. ربما نبني لذلك ظروفا مناسبة. الحمد لله على أنك بخير. لقد كان الغذاء شهيا بصحتك. شكرا لك و إلى اللقاء. لابد لي أن أعود هذا المساء إلى مدينة تطوان. مبرر الغياب أوراق إدارية بالعاصمة الرباط. ربما أعو للبحث عنها مرة أخرى.