Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 13

أقفاص 13

أقفاص 13
أقفاص 13

نادية، تفتتحها الصورة داخل الإطار البلاستيكي الأبيض. واحدة ضمن مقتنيات رمزية تركتها لها هدية موقّعة في مرسولية إدارة السجن المركزي. لم تتجرأ على إعطائها له مباشرة. لم ترِدْ أن تجرح كرامتها أمامه. كان التوقيع من طرف ( من تفكّر فيك بصمت ).

يفتح قوس التاريخ، ينظر إليها واقفة في طابور التسجيل بالحي الجامعي. يمر بصوته الجهوري داخلا إلى مكتب إدارة الحي. لا يحتاج إلى استئذان فهو ضمن أعضاء التعاضدية و الخلية اليقظة للدفاع عن حقوق الطلبة. هو كذلك ضمن فرق التجاذب و التقاطب للطلبة الجدد. تستأذنه حين خروجه من الإدارة في إمكانية تقديم المساعدة. يعتذر و يدعوها إلى الالتزام بالصف و القانون. من يومها قطبت حاجبيها كلما التقت أعينهما. زحفت على مقرراتها و نجاحها المتواصل. لكن جمرة الغيض شكّلتها أكثر صديقتها وفاء. بينهما برزخ لا تبغيان. وفاء ارتمت في تحرر المرحلة و اقتربت أكثر من الرفاق. أم نادية، فربما غيضها من هذا الطالب الذي لم يراعِ أنثويتها، لم يلتفت إلى رجائها. كرهت دائرة رفاقيته و التزمت بدائرة الكتب و الدراسة. و ما تستطيع للحواس من منع، و لا للحوارات من صدٍّ تصلها المغامرات و البطولات. و تصلها أكثر فلسفة عمران التي أذاب بها العقول المتحجرة، و فلق بها الصخور المتصلبة، و قارع بها آراء الفصائل المتناحرة.

مناضل يمتلك من أساليب البلاغة و تعابير الخطابة و استشهادات الشعر، يحفظ من النصوص القانونية و بيانات المذكرات السياسية و الكتب اليسارية. أم بين الطالبات فكانت سيرته أسرار لا تبوح بها سوى من تريد البتاهي و نقل الغيرة و الغيض لأخريات... تسمع و تظم كل المشاعر المتناقضة. تحمد الله على أنه نفرت من الحديث معه منذ بدايات حياتها الجامعية. قد تتخيّل نفسها مرتمية في أحضانه، محتلّة لمكانة رفيقاته، لكنها سرعان ما تجد مبرر الابتعاد عن التخمين و التخيل. لا ترضى أن تكون رفيقة ضمن رفيقات متعددات لواحد. قلبها لرجل واحد. هكذا تريده. الآن هو مطمور داخل الفؤد، لا اسم له و لا تشبيه، يتنقل بين الشخصيات البطولية لمختلف الروايات التي تقرؤها و تلتهما بالعشرات خلال كل سنة جامعية أو عطلة صيفية.

ها هي الآن تجرؤ و تطلب المستحيل ربما. قلبَه. لا تدري لمن هو بالتحديد. ما تعلمه هو الظروف الجديدة القاسية التي يعيشها في عزلته و معتقله. ذهابُ من رهن لها قلبه قبل الاعتقال و زواجها من آخر. كان سيحكم على وفاء بالتسلق الطبقي و عملية التبرجز و إعادة إنتاج الرجعية الاجتماعية داخل البناء الأسري المجتمعي. لكن، لا شيء من هذا وقع، و لا تلفّظ بكلمة محتجة أو معلّقة. بارك بابتسامة باردة الخبر. تنمنى لها السعادة و الهناء. و حوّل موضوع الحوار في أول لقاء إلى التي تجلس أمامه هادئة في فستانها الأبيض المخطط بزرقة خفيفة.

هل كان عليها أن ترتدي لوحة البحر و البياض و صندالا ينعم بالقطن و تتعطر بماركة لعقت رائحتها بين جدران القاعة المخصصة للزيارات، بل أكثر من ذلك، خياشيمه التي بقيت تتنفس عطشى لأكثر من ثلاثة أيام زافرة مع المنخرين في بحث متجدد عن سحر هذه الرائحة.

لِمَ لا. هدية السماء لقلب يحب الحياة. و يا مَ حبّ اللذة و المرأة و جعلها إلهتَه المقدسة. يا مَ رافَع على قدسيتها داخل تدنيس المجتمع لها. الآن هي نادية. امرأة في الثلاثينيات، اختار قلبها الارتماء اعتقالا داخل قلب هذا المعتقل. لا يحب التعبير بأسر قلبها. حريته تطالب بحرية الآخرين و لو كان ذلك في آخر لحظات الارتماء للعشق و الشهوة و الالتزام.

سيقتضي الأمر شهورا أو سنوات قبل استجلاء هذه العلاقة الجديدة التي وهبتها السماء.  لكن الأولويات نضال من أجل قضية. فكيف سيتجاوران؟ تكيّف جديد طبعا. و هو صاحب التكيفات التي أخرجت الرفاق في معتقل الجبل و  مآزق اليأس و محاولات الانتحار و حافات الجنون. لن يكون انتظارا إذن. هو بحث عن حرية داخل قفص السجن.

مرت ثلاث سنوات على الوضع الجديد. بقيت أربعة مما سمعه في مرافعة شكلية. يستغرب مسؤولو السجن المركزي لهذه الطاقة المتجددة في عقولهم و التي لم تعد تمتلكها أجيادهم. مراهنة بقيت خاطئة طبعا ما دامت قد ركّزت على الإضعاف الجسدي و الإجهاد الفيزيقي و تنويع أشكال الآلام التي تسمى تعذيبا. كالحمقى و ما هم بحمقى. كل مرة يخرجون إلى الساحة المخصصة لجناحهم و التي تاتيهم بهدير البحر. ما وراء السور. هناك بحر. هكذا استنتجوا، رغم أن أحدهم أيقظهم من سباتهم و من ظنهم الخيّر: ما وراء البحر، هناك مقبرة. كان قد غمغمة سخر، و كانوا قد سادهم صمت و طمروا كلامهم كأصحاب الكهف الغائبين. إلا الموت، فعليهم ان يختاروا لها احتفاليتهم الخاصة. الآن، بعد مرور مرحلة هي رحلة موت حقيقية، يريدون الإعلان عن يوم وفاتهم. قد يختارونه، و قد يصفقون لأحد الاختيارات و الخيارات التي طرحها صديقهم نورالدين:

في أعلى جبل، وسط الغابة، على حافة طريق منبسط و مفترق طرق بين مسالك، مقلع للرمال ليس بريع و لا باغتصاب لمالكين و مزراعين أو فلاحين، هناك، ستكون مقبرتنا عمودية بطبقات. المنحدر حافة كالحائط. سنجعل لكل واحد منكم و منا صندوقا و قمطرا يفتح أفقيا tiroir، لكل كائن فيه حق تحنيط و مذكرات يسجلها قبل مماته و توديعه لعالم الأحياء. ستكون مقبرة موتى و مكتبة أحياء و مذكرات خلود. ما رأيكم؟

يرد عليه حكيم بمكر مخادع:

ـ سنجعل لك يا نورالدين قطعة ثوب أحمر في ساقك اليمنى.

ـ لماذا؟ يسأله نورالدين مقطبا.

ـ طولك أكثر منا. ربما يتبقى رجلاك خارج التابوت، لذلك سنجعل علامة منبة مثل علامات الشاحنات الطويلة.

يوم هذا الحوار، كان أحدهم قد خرج من حصار و تعذيب بسبب رفضه لإجراءات سجنية جديدة، و تصريحهم بتهديدات نضالية. حينما سمع الحراس ضحكهم و قهقهاتم، ظنوهم مجانين فعلا. لا تؤثر فيهم ظروف ترهيب و لا تخويف.

ـ السلامة يا مولانا.

هكذا انفلتت من أقرب الحراس هذه العبارة الدالة على الاستغراب و على التعجب و الخوف من أن يكون هؤلاء المساجين قد مسّهم جن أو أصبهم بله.

انفجرت بعد إطباق للشفاه ضحكات تطاير معها رذاذ بصاق غير متعمد. قد يعتذرون عليه للحارس إذا سنحت الظروف بذلك.

في السنة الخامسة، نال عمران ديبلوم الدراسات العليا بامتياز راوده البحر في الاشتغال، فكان صرف نظره عن الدراسات النفسية و الاجتماعية، و اشتغاله على نفسية البحر. موضوع جديد لم يتطرق إليه باحث من قبل، بالخصوص في بلد المغرب. أوصته اللجنة، و وعدته بمستقبل كبير في مشوار هذه الدراسة و هذا الموضوع. جادله الرفاق في البداية. اعتبر حكيم اختيار الموضوع سقوط في ميتافيزيقا تبعدهم عن الواقعية الموضوعية في التحليل. كان تضرع عمران بالأدب و الصورة الأدبية. فلسفة جديدة مكنه الأستاذ المشرف على ولوج عوالمها المتخيلة و الافتراضية. كان صديقه الجديد في رحلة الاكتشاف الأدبي و الفلسفي (جيل دولوز)، و سيستمر ذلك لسنوات مقبلة.

أما الحرج، فكان عند إدارة السجون و داخل دواليب وزارة الداخلية و الأجهزة الأمنية. ( مفكر جديد يعد بفلسفة متطورة و قراءة محاورة للطبيعة و البحر، يقبع وراء القضبان. عاش في رحم الموت منسيا بين الجبال و المعتقلات السرية، و تنفلت دراساته الأدبية كنور يفلق جدران الإسمنت، كشجرة التين المفجرة لشقوق صلبة. يقولون على أنه روّض بحكمته و عبادته التأملية نورسا، فأصبح يأتيه بما لذ و طاب من نعيم البحر. سليمان الحكيم في السجن المركزي بالقنيطرة، و الأديب الذي لا محالة سيجعل النقاد يتقاطرون على أسوار كعبته لطلب بركته. لكنها بركة المعتقل.)...

جزء من مقال، صدر في صفحة أدبية فرنسية. ذاع صيته و صيت صاحبه، و نشر صورته بين وسائل الإعلام و قضيته داخل هيئاتها. انضاف لأسماء سرّعت بمعالجة قضية الاعتقال السياسي بالمغرب. و كانت نادية الرجوي في الواجهة. صحافية ساندت المعتقل عمران بن يوسف خلال سنوات الجمر و الرصاص، استطاعت أن تخرج ملفه و أن توفّر له ظروف الدراسة و البحث العلمي... غنها بطلة مسلسل ( الصورة الأدبية و ترجمة نفسية البحر ).