يهتز جسده لذئبية جنسية انبعثت من دواخل غرائزه المبهمة. جرّب فيما مضى المقارنة بين الإنسان و الحيوان. لفترة طويلة لم تفرق بينهما في كيانه أمور كثيرة. لولا هذا العقل الذي يشتغل دون مشاورة لكان حيوانا أفضل له من إنسان. قانون غاب و قد مزّقه. كرامة و قد غابت. محن كبيرة و قد كان من أنبيائها في الصبر و الصمود.
يرافع إلى جانب الأنبياء حول وضعيته. ما يزال مستمرا في مواقفه و مبادئه و قناعة مطالبه. لم يكن يوما أنانيا بما يجعله يبحث عن تراجع أو إدانة للذات و للجماعة من الرفاق.
لكنه الآن و قد ترك الأنبياء يستريحون من تحامله على شرف رسالاتهم، يفضل أن يفكر في ذكوريته، أنثييه اللتين تزاحم بهما اشتغال غرائزه و عواطفه و مسامعه.
يعود للمقارنة الجمالية بين الإثنتين. وفاء، ذلك الجسد الذي يفور حيوية و دما. تلك الحرارة المنبعثة من مسامها لحظات النشوة و الغليان. تلك الارتعاشة التي تاخذها كأنها واضعة اناملها فقط فوق السرير فتحلق في السماء و في سحب الرغبة و اكتمالها. كانها في تجربة يوغا فوق جبل من جسد، و هي فوق قمة تعانق العلا و تتركه في الدنى. العينان عسليتان و الشعر الأحمر المنسدل بعد فك خمارها المنفلت من الرقاب و من شدة العنق. ذاك التحدي الذي يستغرقهما ليومين و زيادة ملتصقين بالسرير. لا قداسة إلا للجنس، و كأنهما كانا على علم مسبق بالآتي في الفراق، بالأسر الشرعي و الآخر القسري.
تتمدد عضلاته و يسترخي شاعرا بدفء يسري في مفاصله حين عيشه هذه الذكريات من زمن الجامعة. يستطيل أيره فيطل عليه من تحت التبان اليتيم اللائق لستره. تنبض العروق و تسري فيها دماء، فيشعر باعتزاز و ثقة متجددة، ما تزال رجولته قائمة و قادرة.
يعود للمشهد أزيز الكرسي الذي تتخذه نادية للاستواء و الجلوس حين زيارته. ما كان له يمتنع عن التقاط هيأة جسدها و ردفيها و انحناءة صدرها و ما يتمايل معها شعرا و نهدين و عطرا و ترددا ينم عن شعور بالحرج أو الاثم فيما هي مقدمة عليه من زيارة و اتخاذ موقع و مكان بدل أخرى، كان من المفروض أن تكون هي الزائرة و المشتاقة.
ترفع رأسها بعد تنهيدة مختبئة مع ملهاة الجلوس، فتجده حابسا لفتحة فاهٍ مندهشة و غريبة. ظنّته استصغر ترددها، وظن هو دون أن يشعر بأن هذا الجسد لي اشتهاء و لو عن بعد. تذكّر فلسفته الشيوعية و التي ما تحققت أكثر بقدر ما تحققت في مغامراته الجنسية المتحررة. توافق جرب مخاطره و خصوماته و كسّر به طابوهات و أخلاقيات رفاقه و رفيقاته، حتى ما كان من وفاء. كأنه الشيخ في احتضان مريديه. و مريداته كثيرات. لو استطاع نورالدين القابع في زنزاة بجواره، أو حكيم الصامت على ماضيه، أن يبوحا و يسترجعا معه هذه الذكريات، لقاموا بلعن هذا القدر الذي قادهم إلى هذا الجحيم. تلك الطالبة التي قضت ثلاثة أشهر متنقلة بين أحضان الثلاثة. هي المبتدئة و المحتشمة، و هم النمور الثلاثة قيدومي التحرر و كسر الطابوهات. خطابهم تحليل نفسي و يسارية شيوعية. و الرفيقتان اللتان قررتا قضاء عطلة الصيف في رحاب الجمعة و أحيائها السكنية المجاورة. حكَمتا على عمران بالبقاء معهما في شقة السكن المكتراة. تم إعفاؤه من مصاريف النفقة، فهن القويمات القائمات. حتى ما كان من سجائره و بعض قنينات خمره المشتهاة. و حتى ما كان ثمن استحمامه أو تسديد ديون البقال أو صاحب المطعم. عشرون يوما في ضيافة الهوى و الأشعار و قراءة مذكرات النضال، مرة مع تشي غيفارة و أخرى مع ما تسي تونغ و ثالثة مع لينين و غيرهم.
كل هذا كان زمن سلطنة و عز و همّة نضال داخل قلعة الجامعة. الآن لا يملك سوى ذكرى لوفاء و رؤية محسوسة و ملموسة بسلام لنادية. و نادية التي بدأت تطوّر نظراتها و ابتساماتها و إطالة قبض يدع بسلام أو معانقة صدره إذا تمكنت من ذلك، بدأت بتدرج تدخل في خصوصيات عيش و معاناة و حرمان عمران. تعده بالوفاء و الاستمرار في مساندته و إحضار ما يرغب فيه بسحب المستطاع. ستنسق له مع الجمعيات الحقوقية التي برزت لتناضل من أجل حرية المعتقلين السياسيين، مع الأحزاب التقدمية و مناضليها. و قد جاءته بخبر سار بعد أن التقت مع شيخ النضال السي اسعيد. اقترحت عليه أن يبدي رغبة في الانتماء لحركة المنظمة الديمقراطية. و اعتذرت لنفسها لكونها تعمل داخل جريدة تحمل توجها سياسيا مغايرا. لكنها ابتسمت له متفائلة بالمستقبل الذي تعد به الكتلة الديمقراطية التي تشكلتّ مع بداية التسعينيات. ابتسم هو مبديا برودة موقف متوجس من كل هذه الإشارات إلا ما كان من تفكيره في الانتماء الجديد الذي يمكن للمرحلة أن تفرضه نضاليا، عن بقي هناك نضال. فداخل انكسارات الذات، كانت لحظات الضعف و الوهن و لمرض تجعله في حنين إلى راحة مشيمية أمومية. لكنه يدرك بأن أمه رغم فقدانها لجل قدرتها على النظر و الرؤية، تؤازره في عدالة قضيته و غصب حقه في كرامة حياة. على الأقل هناك أمومة مدعمة للاستمرار. فليكن ذلك.
الْتَهم الذئب ذئبيته في الأعماق، و عاد الإنسان للاستواء. لم يستطع يوما أن يجعل الجنس و رغبته خارج السياسة و لا العكس.