9 ـ
حينما يحكي الحاج عياط قصة حياته لزوجته، يتشاركان الدموع الأسية على المفقود كما على البعيد. كان جرحهما مشتركا. عساهما يعوضان بشيء ما ذلك الفقدان و الألم الذي يسكن الذات و يجرح الوجدان.
كانت أسرة الحاج السليماني مستقرة بسفوح جبال البرانس، تغترف من الذاكرة تاريخ عائلة ممتدة في الزمن كما المكان. تاريخ مجيئهم من مدينة تلمسان، ودخولهم بلاد المغرب. قليلون من يعرفون أمجاد هذه العائلة. تطول شهرات الليالي و حكاياتها التي يتناقلها الصغار من الكبار. تتطلع أعين الصبايا لرواية الجدات في الشتاء و في كل فصول السنة. عالم ذهني يتشكّل بأكوانه في عقولهم. كيف جاء إدريس بن عبدالله من بلاد الحجاز إلى بلاد المغرب. كيف تأسست الدولة الإدريسية. كيف كانت إمارة ابن عم إدريس الثاني على مدينة تلمسان. تبقى صورة المنديل الذي تمسح به الجدة جفونها من دموع حارقة و منعكسة مع ضوء القناديل.
يخترق السيد فحص الخالدي هذا الحكي، و يتدخل بمنطق تحليله لكي يضع الرواية على سكة منطقية و سليمة بدون تعارضات و لا هفوات. يستميل زوجته شادية لكي تفهم قصده. لا يريدها أن تفهم تشكيكه في أصول الشجرة و لا في مجدها الغابر. غرضه احترام هذا البحث الجينيالوجي كحق من حقوق الإنسان الذي يحدد به الهوية التي يشاء، و إلا ففيي النهاية ـ وكما يخاطب بذلك من يقترب من فهمه ـ الكل من شجرة الإنسانية الهاربة من فراغ و الذاهبة إلى سراب داخل هذا الزخم من المعتقدات و التوهمات الطموحة:
ـ لا يمكننا الحسم في قولك بالانحدار من الشجرة الإدريسية. بحسب المعطيات المتوفرة، ف ابن عم إدريس لثاني هو الذي كان واليا على مدينة تلمسان في ذلك العهد. ما لم نتأكد منه هو انحدار الوالي من إدريس الثاني. اللهم أن يكون الوالي بعده هو أحد أبنائه أو أحفاده. لأن الذي كان واليا و يحمل اسم سليمان هو ابن عم إدريس الثاني. فأي سليمان تنحدر منه شجرة السليمانيين؟ يمكننا أن نقول أنها أسرة تنتمي للعلويين. و ننطلق من امتداد أسرة العلويين و انتشارها في بلاد المغرب والشمال الإفريقي. يطرح سؤال: هل نزح أبناء عمومة إدريس بن عبدالله من بلاد الحجاز فالتحقوا به في بلاد المغرب، خصوصا بعد توطيده لإمارة و دولة ذات نفوذ و انتشار جديد يعوّض النكسة التي تعرضت لها في المشرق؟
ـ أصبحت في قفص الاتهام عند زوجي العزيز. ما بيدي حيلة سوى أن أقبل تساؤلاتك. لكنني لن أنساق معك فيها. اجعلها لبحوثك الجامعية. المهم عندي هو معرفة تاريخ العائلة. و قد قلت قبل قليل بأن المعطيات غير كافية للحسم في إجابة واحدة على هذه التساؤلات. لك بحثك. أما أنا فلا أقدر على نفَسِك فيه.
ـ أنا سأعود لأقف على قصة الحاج عياط. كم هي غريبة هذه المفارقة العجائبية. لماذا استغنى عن تسميته الأصلية و اكتفى بالحاج عياط؟ هذه الوثائق التي سلّمتنا إياه خالتك لالة فاطمة الزهراء، تجمع تاريخ عائلته و عائلتك. لو كانت عندنا حرية لصوّرنا سينمائيا ما جرى و عرّينا هذه الحقائق التي تحجبنا عنها و تحجبها عنا ستائر ملتبسة بالسياسة و الدين. فمن سيحاسب هذا الظلم الواقع على أسر وجماعات بشرية داخل بلاد المغرب؟
يأخذ صفحة أجندة جديدة. لم يكن يتوقع بأن الجذاذة التي بدأت صغيرة الحجم في بدايات دراسته الجامعية ستصبح بهذا الحجم و زيادة بعض الأحيان:
ـ لا. هذه ليست بجذاذة. و إن كان الاسم مذيلا بشروحات و تحليلات، فهي فصل من دراسة يمكنها أن تنجز.
يوقف نظره فوق لونها البني الداكن. يزاوج بينه و بين غموض مسارها السالف والآتي. يشعر بدرجة حرارة زائدة تسري في رأسه. مخزون المقروء بين وثائق الحاجة فاطمة الزهراء. متراكَم ما يعرفه عن تاريخ شمال المغرب و المقاومة الريفية للاحتلال الإسباني. شبكة توتراته المعرفية و السياسية قبل التاريخية. كلها عناصر زادت من تلك الحرارة فجعلت حبر القلم محموما بحروف من حطب يتقد بها:
أحمد بني وكيل، هو اسم الحاج عياط. من نواحي الناظور، منطقة العروي تحديدا. أسرة أو عشيرة أو فخدة من قبيلة نزحت أواسط العشرينيات من القرن العشرين إلى ما شاء الله من بلاد المعمور فوق رقعة خريطة هذا البلد.
محمود بني وكيل: مقاوم حيّر الإسبان و استطاع قتل عدد كبير من جنوده و خدمه و جواسيسه. يوم تم القبض عليه، تمّ إعدامه في ساحة عمومية بالرصاص أمام أهله و ذويه و سكان القرية.
السؤال المطروح: هل تم تهجير أهله أم إنهم اختاروا الهجرة و إفراغ المنطقة من حضورهم ما دام المستعمر مستمرا في تجديد معاناتهم؟
ما يعلمه فحص الخالدي عن أسرة بني وكيل هو ذلك الامتداد العلاقاتي لبنوة عمومة موزعة بين ربوع أماكن عديدة. و ما بدا له هو تواجد عدد كبير من هذه الأسر بوسط المغرب. ما يدل على هروبهم أو ابتعادهم من منطقة النفوذ الإسباني. لقد خافت الأمهات على أولادها بفعل تربص المستعمر بهم و إلصاق كل التهم المحاولات المقاوِمة لتواجده، و بفعل احتقان نفسية الصبيان و الشباب و استعال نار الغيض و الحقد على هذا الذي قتل رمزهم في الشجاعة أمام أعين أمه و أهله.
الحاج عياط بقي على تخوم منطقة الاستعمار الإسباني، لم ينزح إلى جبل زرهون أو مقدمة جبال الأطلس بنواحي مدينة الحاجب. اختار الاستقرار بسفوح البرانس، قلبه موزّع بين وديان و فجاج الطرقات التي زحفت بالأهل و العشيرة، و عقله و ذاكرته بقيا هناك في تفكير مع الآتي. اختار جسد هذا البين بين. منطقة تتوزّع انطلاقا منها الخرائط، حتى بالنسبة للقوافل و الأسفار و الهجرات التاريخية. رأى في أعين أهل البرانس تلك الثقوب التاريخية التي تشخّص لكل مار عبر فجاج تازة و ما جاورها، جروحه و علله. احتضنه أهلها مثلما احتضنوا أسرة السليماني الآتية من شرق البلاد، من مدينة تلمسان. الذاكرة هنا و هناك. هذا الاحتضان و ذلك التشرد و التشتت.
إذا كانت أسرة السليماني قد نزحت من الشرق رفضا لطغيان المستعمر الفرنسي الذي غرّب أهل الجزائر، فآثرت العيش تحت ظلال الحكم الخليفي المغربي العلوي،و في الأمر التفاف حول شجرة راجعة لأصل الحكاية و الشجرة، فإن السيد أحمد أبا وكيل و قد وهبته أمه لقب أبيه محمود أبي وكيل، قد تشبّت بجذع الشجرة الأخير رفضا لعاصفة الاجتثات التي سحقت الوجدان قبل إفراغ الديار. يوما ما سيعود. هكذا كانت أمنيته. سيعمّر الديار. سيدعو العشيرة و الأسرة الكبيرة لكي يرجعوا إلى موطن الفؤاد. هكذا كان يصرخ في صمت داخلي. لا تسمع لصراخه حرفا. هي دموع متفجرة كانت ترافقه و هو جالس في أعالي الربوات، موليا ظهره لساكنة القرية التي احتضنته. لا يعود لها إلا بعد هذا القداس الخاص به كطقس ديانة تجاهلتها الديانات و المعتقدات.
داخليا، كان الحاج عياط لا تستوي زواياه لمقامات الإيقاع الرباعي أو السداسي الذي يتهتز له و معه جوارح الذات الراقصة في الفرح أو الحزن. لذلك كانت مكانته بين أهل البرانس تقديرا لشخص صلب و يزداد صلابة كلما كبُرت القضية و تقادم التاريخ معها.
يلاحظ فحص الخالدي أن العكس هو ما يقع مع الحاج عياط. استثناء فريد يؤكد أن التقادم لا يسقط الدعوة أو يبطلها. بالعكس، هو تقادم تزداد معه شروط رفعها من جديد، و تتراكم معه عناصر الجرم الذي يلتصق بالمسبِّب له، بالمستعمر على الخصوص.
لم يكن الحاج عياط لصّا في يوم من الأيام، و لا متسوّلا البتة. يوم هاجر أهله إلى أماكن وسط المغرب، إلى جبال زرهون المحتضنة لكل من جرحه تاريخ الحكايات، بقي هو تائها بين وديان و جبال البرانس. رزقه و عيشه مع السماء و الأرض. عيناه جاحظتان و مشَخّصتان لكل صغيرة و كبير. حواسه منتبهة لكل حركة أو صوت. مسافته الموجبة للاحترام و عدم الريبة في شخصه ساعدته على كسب ثقة المتحاور معه أو المتجاور مع خطوه و ظل جلوسه...
الْتأم الغريب مع الغريب. اقترح عليه الحاج السليماني محمد، أب ابّا المعطي السليماني العمل عنده. زراعةٌ في حقل و رعيٌ لشياه أو معز، و ما ارتبط بهما من سخرة كريمة... أشكال اختبارات عفوية و عملية لمدى الأمان و الاستئمان، نسجتها الآية الكريمة لا شعوريا و استحضارا كذلك: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦﴾
و كانت المصاهرة التي جعلت السيد أحمد أبا وكيل فردا من أهل أسرة السليماني. مرت سنوات قبل أن تفترق بهما الطرق. بقيت التجارة المشتركة و قطيع الأغنام الذي يسهر السيد أحمد أبو ويكل عليه أمانة عليه أن يتتبع سلامتها و استمرارها. و كانت سببا يلائم مبتغاه في عدم الابتعاد عن شهقة الشمال التي يعانقها مع كل ريح آتية بعليل نسيم منطقة العروي و الناضور و البحر. نعم. سيراود القلاع و يحوم حول التخوم. سينتظر مسافة الخلد اللامنتهي لكي يرجع بالزمن إلى الوراء و يصحح الخطأ و الظلم و يقضي على الاستعمار و وحشيته... هو هذا شعوره، لكن حياته مثل باقي الناس، لابد لها أن تكون طبيعية.
سيختار السيد أحمد أبو وكيل الشرق و اتجاه الشرق الجنوبي. بين وجدة و بوعرفة و فكيك، كان ترحاله و بحثه عن طريقة للاستقرار. و بين حقائبه و في جوف إحداها كانت الشجرة مستكينة و مستريحة من حكاية الجراح و الرقص بين الماء و النار، بين القداسة و لعنة التاريخ و السياسة.
الحاج عياط لم يكن مسؤولا عن الماضي. و هذه الشجرة إذا كانت ستنفع، لماذا لا تنفعه هو الآن؟
أكيد أنها لأسرته زوجته الحاجة راضية، لكنها ذات قيمة حياتية لهما معا. هكذا اختار الحاج عياط قبل حجه أن يشق لها طريق حياة جديدة، و أن يمدها بجداول سقاية تبعث فيها روح الإزهار و الإثمار.
ترك السؤال الذي راوده مرة : لماذا اختار الحاج محمد السليماني ترك هذه الشجرة بعيدة عنه مع ابنته راضية؟