Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
باب القصبة 7

باب القصبة 7

باب القصبة 7

كان السي عبدالكريم هو الملهم و المؤطر للسي علال. النداء الذي حرص على تقدير علال به. فرغم يفاعة شبابه أراده السي عبدالكريم بدرجة احترام و تقدير للمسؤولية. لذلك كان يناديه السي علال  و يذكره بسر ذلك، كما يذكره بالآية الكريمة ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ينبهه إلى أن أهل المدينة مغرورين نوعا ما. مرتبطين بشجرات الأنساب و سجل الحكي الذي يعطيهم القيمة الوجودية معها. محذرا له من عدم السقوط في فخ التناقضات مع أهل المدينة. فالمهم هو محاربة من تسبب في الطاعون و التيفوس و المجاعات. من ألقى السموم بطائراته و زرع السم في سياساته. المهم محاربة المستعمر الفرنسي و الإسباني.

ـ ما أنا فاعله إذن ؟ يأتي السؤال من السي علال بعد تروٍّ و اقتناع بخطاب السي عبدالكريم.

ـ مارِسْ حياتك بشكل عادي. ستكون مهمات متأنية، و ستقوم بما أنت قادر عليه دون زيادة و لا نقصان. المرحلة تحتاج إلى تنظيم و تأطير أكبر و عدم تسرع في خطوات تأتي بالفشل.

 

 

 

السي عبدالكريم يتواصل مع الحاج إبراهيم في التجارة. أما شؤون المقاومة و السياسة فقد آثرا جعلها غير مباشرة، إلا ما دعت إليه الضرورة. منشورات، دعوات للتواصل و التنسيق، معلومات جديدة، أخبار وطنية و دولية... كلها مهمة لحشد الهمم و الحفاظ على رباطة الجأش و الأهبة و اليقظة و النباهة في مثل هذا المشوار الجلل و الخطير.

بين جهة الوادي و مدخل المدينة من البوابة المطلة على العراسي و على عين الرجال، يتمركز ورش القصابين الذين يزودون المدينة بما تحتاجه من صنائعهم المتنوعة و المهمة. يبتسم الحاج إبراهيم حينما يتذكر سؤال ابنه الأصغر في  صباه حول تسمية الحي باب القصبة. هل تسميتها تعود لوجود مكان القصابين بجوارهم أم ماذا؟ يفتح قوسا داخل ذهنه و يتركه يكبر بالتحليل كل حين. يعيد السؤال على نفسه مجدِّدًا له بأجوبة جديدة :

باب القصبة.

يومها كان عمر ابنه محمد عشر سنوات. كان في حيوية كبيرة يمتلكها في لعبه و مرحه. بجلبابه الصغير الجبلي المناسب لحركته و سرواله المفصل بالطريقة العصرية آنذاك. بحرص أبوه الحاج إبراهيم على متابعته لدراسته مع حفظه للقرآن الكريم.لم يكن يريد له انقطاعا عن هذه الدراسة. ربما كتعويض لما كان نقصا عند أبيه. لكن، للأسف، تأتي الرياح بما لا تشتهي سفينة أمنيات الإنسان. تحالفت الظروف الأمنية غير المستقرة مع مرحلة شباب الابن الذي أغرم منذ صغره مثل أبيه. آثر التجارة و الزواج المبكر على تحقيق حلم الدراسة. يوم قرار زواجه و عدم بعثه للدراسة كان صعبا على العائلة و على مزاج الحاج إبراهيم الذي كان له نقاش مع أمه لالة الياقوت و مع أبيه و جد ابنه  المرحوم السي أحمد العلمي. جملة المرحوم : حرفة أبيك حتى لا يغلبونك ( حرفة بوك لا يغلبوك )، بقية راسخة كقاعدة اجتماعية و تربوية في أذهان مجلس العائلة.

هو حنين متحسر على الماضي الآن. ها هي مكانة الحاج إبراهيم الاجتماعية رغم تألقها و نجاحها، بقيت تشعره بخصاص اللقب الموجود عند العلماء الذين تعمقوا في دراساتهم.

ربما خلخلة إمام المسجد لحكاياته التاريخية أفزعته من خوف الجهل و أكله لعقله و معرفته. وهو المستنير بالأفكار الجديدة و طريقة الحياة العصرية. ربما أنه لا يبدي كل هذا أمام الإمام و أمام الناس. لكن متابعته لقراءة الجرائد الوطنية و السؤال عن قوة الاستعمار الفرنسي و إنجازه الحضاري و المادي، ساعده على فتح عقله على مستقبل الأجيال الجديدة.

يستحضر الحاج إبراهيم كيف كان ابنه محمد يأتي من التمدرس و يتهيأ للعب في رحاب المنزل و يشيد علم خياله الواسع و تفجير القوة الجامحة في حيوية جسده الفتي كصبي يافع.

لذلك ابتسم الحاج إبراهيم ذات صباح من يوم جمعة و هو يسمع سؤال ابنه حول تسمية باب القصبة، لقوس و الباب و الحي. ابتسم حينها لاتخاذ سي محمد قصبة شذبها و صقلها و جعلها حصانا يعدو فوقه ذهابا و مجيئا. اتخذ من العبارات و الحركات آخر ما رىه من الموسم المقام بمدينة مولاي إدريس زرهون، مسلكا له في احتفاليته و لعبه. ذلك أنه ذهب مع أبيه و جده في مقدمة الشرفاء العلميين، كما رافقه في مشاهداته الاحتفالية خلال كل أسابيع و أيام الموسم المتنوع الذي يعكس ثقافات و فنون و عادات الاحتفال عند مختلف مناطق المغرب و قبائله الحاجة إلى جبل زرهون و المعمّرة لتلاله بخيامها و ولائمها، كما خيلها و حرْكاتها في الفروسية و التبوريدة، نسبة للبارود المستعمل في رقصة الخيل و سباقه و استعراضاته.

يستحضر مشاهد الموسم إذن في لعب ابنه بالقصبة :

ـ آرى العود. آرى البارود. حرّكْ المكاحل آسيدي حرّكْ.

تتعدد الأجوبة الذهنية المرتبطة بالقصبة. طبعا تسمى بقصبة البلغيثيين. و هي الحي الذي يسكنه الشرفاء البلغيثيون العلويون.، و الذين أتوا في هجرة لعائلات وافدة من تافيلالت. و ما دام الحي قد بني بعد حي باب الجديدة، يبقى شك الحاج إبراهيم حول من سبق له: هل البلغيثيون ام العلميون، رغم شهرته بقصبة البلغيثيين.

لكن سؤال ابنه محمد بقي مشروعا منذ ذلك الوقت. فما دام ورش حرفة القصابين يوجد محاذيا لتلة باب القصبة، بجوار القوس الرئيسي و مخرج المدينة من جهة عين الرجال و الغراسي الممتدة في المنحدر حتى ضفاف وادي خومان، فهل التسمية تنطبق على الحرفة أم على القلعة و القصبة؟ ما دامت القصبة في الأصل حصنا و قلعة بأسوارها و أبوابها، أية قوة هي بقيت لها، بما أن الاحتلال الفرنسي قد اخترق الجسد المغربي في قعر دروبه و أبواب مساجده؟

فهل ستلتصق التسمية بالحرفة أكثر الآن، و ينسى الجيل الجديد قيمة القصبة كقلعة حامية و محصنة للسكان؟ في رؤية مسترجعة للعب السي محمد في صغره، تثير القصبة كما أقدامه النقع و الغبار. يتعالى متلونا بأشعة الشمس، يتداعى منقرضا و ممحيا مع زرقة السماء التي يكسو بها ذاك الصباح من سجل ذاكرة سالفة.

يمر دوي طائرة محلقة من بعيد، يذوب كل تماسك لهذه الذاكرة و الاسترجاع، وكذا لدلالة القصبة في ذهن الحاج إبراهيم. كما ينقله من الزمن الماضي الذي يسكن النفس إلى الزمن الحاضر الذي تقرعه الطائرة الدالة عليه. يعلق مع نفسه:

ـ أية حصانة و دفاع للقصبة الممانعة و الخيل الجامحة مع هذا الطائر الحربي الجديد؟

كفة القوة تميل إلى فرنسيس دائما. و اهتمامهم بعقولهم أقوى و أكبر مما هو عندنا. و الأناقة و اللباس و طريقة العيش... كبشر، هم أفضل، و لكن كأناس فهم مستعمرون. لتبقى القصبة للقصابين إذن. ما عادت الباب و لا السور كافيين لها كقلعة و برج محصن.

ترجّى الله في لحظة مناجاة أن يبارك له في زواجه الجديد، و يرزقه ذرية صالحة فيه. ربما أراد مع زوجته لالة الصافية تعويض تعليم أولاده الذي سرقته منهم التجارة و حرفة أبيهم و جدهم رحمه الله.