32 ـ
أن تتقاطع مسارات تكوين و حياة شخص مع آخر قد يصل ذلك إلى مراحل تماهي و تمازج بينهما. قد يحدس باطن النفس بمناخ اريحيتها و اختياراتها.
يجلس موسيو جيرار في شرفة شقته بالمدينة الجديدة، و التي تقابل السوق المركزي بها. داخل ردائه الصوفي الناعم. ينزع بابوشه و يجعل قدميه الحافيتين فوق الجدار المنحدر لسور الشرفة. طاولته المعتادة تحتوي على كوب قهوة ساخنة و قنينة كونياك. في شهر ماي هذا، آثر تناول القليل منه فقط، و كان ذلك كافيا لملاحظة دفء مفاصل و احمرار مجنتين تفوران حرارة. زرقة عينيه تجعل بريقهما الزجاجي و المائي، ينعكس من بعيد.
بيني يديه كتاب مراسلات الشباب للجنرال ليوطي. نموذجه المقتدى في تحقيق طموح العمل داخل مستعمرات الدولة الفرنسية، و تمجيد الذات و النجاح الشخصي في الحياة. السيد عبدالجواد يعلم بنزوات موسيو جيرار. يعلم ميوله المثلية. لكنه يتخذ مسافة بين ما يعلم و ما لا يريد أن يعلم أو يراه. أما المدهش في اكتشافه و اطلاعه الجديد، فسيكون هو أمر جينرال كبير و شخصية تاريخية مثل ليوطي و كيف كانت له حياة خاصة مشبوهة و غريبة لا تترجم تلك الشخصية العسكرية القوية و النافدة في سياستها. أمر الاثنين لا يهم السيد عبدالجواد، لأن حياته تجارة و مسافات. ولأن سياسته عمل تحت حماية أمريكية و تكوين متوازٍ مع القيم الغربية المعتدلة و التي لم تنسِه امتداداته المغربية و العربية و الإسلامية.
سيتسغرب أكثر السيد عبدالجواد حينما سيطلب منه موسيو جيرار جلسة طرب تضم أفرادا في الملحون و الأندلسي. يريد ان يعيش أجواء سهر مغربي بكل ممنوعاته و إيقاعاته. تدخين مخدر الكيف* و تناول تلك الزميتة* التي يسمع أو سمع عنها. مراقصة الإيقاع و الأصوات. السفر الوجداني داخل العالم الشرقي و المغربي. هذا السفر الذي تحقّق، و لكن بدون حضور الحاج إبراهيم فيه. فقد عرض الدعوة على بعض رواد الطرب في زرهون بعد أن تلقى الطلب من السيد عبدالجواد في زيارة خاطفة و سياحية لمدينة مولاي إدريس زرهون و الموقع الأثري وليلي. تبيّن طبيعة الجلسة من خلال مضمون الطلب، و الحاج يعلم أن استباحة المحظور ستجر إلى محظور أكبر. فالمدينة الجديدة بمكناس توجد بها حانات و دكاكين بيع الخمور. و موسيو جيرار من عشاق جلسات الليل ربما و التي ربما تنتهي بمجون. فبعد أن خلق الأمر حيرة في نفسيته بين تلبية الطلب و إخبار رواد الطرب به، وضع جل الاحتمالات المتعلقة به، بما فيها وضعيته و علاقته بغيورين على قضايا مقبلين عليها و ترتبط بضغط جديد يحقق استقلال البلاد. بالسلم أو بالقوة. كيفما تأتى الأمر. ما لا يسمح بخلط أمور التجارة و الاقتصاد و الاجتماع مع أمور بناء المستقبل السياسي الجديد للبلاد. هي دوائر نار ملتهبة وجد نفسه بينها.
على العموم، كم رواد الطرب تعجبه جلسات المدينة الجديدة، و لو أنه يسمع بها فقط، و يحلم بامتلاكها فضاء و متعة. قد يتخيّل الغزوات الملحمية التي يجتبي فيها الحسناوات و الرحيق المختوم. قد يمتد خياله لكي يجعل إعصارا شهوانيا لغرائزه. لكنه سرعان ما يلتفت إلى يباب المحيط و خشونته. و هذه فرصة بألف حظ و ميعاد. و رب صدفة خير من ألف ميعاد.
كان على المجموعة أن تقتني معها عدة الكيف* و الصامت*. و كانوا خمسة افراد. واحد في الإنشاد، و آخر في العزف على آلة الكمان، و ثالث على آلة العود، و رابع على الدف. أما الخامس فكان مؤديا بصوته المطرب لوصلات أندلسية راقصة و ممتعة.
كان الحفل بحديقة يمتلكها السيد عبدالجواد ببساتين طريق فاس ( plaisances ). جل الحضور أزواج. قرابة اثنين و عشرين من المدعوين. من بين الفرادى الوتر في حضورهم، كان موسيو جيرار الذي يعيش عازبا في مهمته بالمغرب. في سن السابعة و الثلاثين من عمره، لم يرسم بعد مخططا لحياة أسرية خاصة به. و قد كان هو صاحب الفكرة و الطلب لهذه السهرة.
استغرب الزراهنة لهذا الفضاء المضاء ليلا، و لروائح العطور و الخمور و النبيذ. و أكثر لأنواع الألبسة و سفور الأطراف و الصدور، خصوصا عند السيدات و الآنسات المعزومات. هناك من يتابع عزفهم بشغف، و منهم موسيو جيرار. و هناك من يجعله رفيقا في قطار يستأنس بصوته في رحلة متعة و سهر و شرب و رقص و عناق.
من بين ما قرأه موسيو جيرار، دراسة سوسيو جنسية حول المجتمعات المغلقة. و الجينرال ليوطي كان قد صنّف مدينة مولاي إدريس من بينها، و التي يجب الحفاظ على طابعها التقليدي المنغلق في عقليته و ثقافة حياته. لكن الدراسة تذهب أعمق لاكتشاف الجنوح للممارسات الشاذة. قد تكون بين فردين من جنس واحد، و قد تكون كما في بوادي خالية مع حيوانات... يبتسم حين مراجعته لمثل هذه الفقرة و تحليلها. يعلم أن الرغبة المثلى عنده متطابقة، و أن هذه الممارسات قد تكون مطلوبة عند علّية القوم. فقط أن الأدبيات الرسمية تبعد كل شبهة عنهم، بما فيهم بورجوازيات العالم الأوربي الذي يأتي و ينحدر منه. قد تكون هذه الاستنتاجات ملخص حواراته مع أصدقائه المحيطين به.
هل كان ما سمعه عن المجتمعات المنغلقة صحيحا؟ لا يهمّه الآن إلا تحقيق مراده من ليلة العروج بالنفس إلى مبتغى النشوة و الرغبة. لذلك بقي بعد انتهاء السهرة مع فرقة الملحون. حاورهم بما يعرف من كلمات عربية و دارجة. تسلّح بخمرته و سُكرِه لكي يخترق المواضيع التي يريدها بمحظرها و مضحكها. شاركه بعضهم من الفرقة السكر و العربدة و الغناء. غناء جماعي و رقص جماعي كذلك أبطاله الستة. ترديدهم الصارخ لمقطع أغنية الحسين السلاوي :
كمان باي باي
كمان باي باي
تحول معها الغناء إلى ضحك جنوني بإيقاع ممسوس بالمخدر و بالمسكر.
يعودون إلى تعقل في احترام الأغنية و يؤدونها بمقاطع متفرقة و في هدوء برجاء من موسيو جيرار الذي أصبح جالسا بين أفراد المجموعة، معانقا لهذا و مقبّلا لآخر في خدّه. قد يرى أحدهم تصريفا جهاديا في اختراق أخلاقي أو لا أخلاقي لتعامله مع الموسيو جيرار هذا. فالجهاد قد يكون حتى بالجنس و ممارسته اغتصابا أو فعلا لا يهم. الحقيقة بنت لحظتها. و كلمات الفنان الحسين السلاوي مستمرة فوق سكة إيقاعها :
فرقوا الفنيد والسيــجار ۞ زادوا الــــــدولار حتى مـن العجايـــز ۞ اشراوا الفــــــولار حتى من هم صغــيرات ۞ يعقدوا اللســــان الامريكـــــان تسمع غــير"أوكي، أوكي".