5 ـ
اختار الحاج إبراهيم الجلوس بجانب المحراب بعد انتهائه من صلاة العصر بالمسجد الأكبر بالمدينة. و حيث لا نوافل بعد صلاة العصر، فقد فاتح إمام المسجد حول روايات التاريخ المحلي و العام للبلاد. آثر الإمام مرافقة الحاج إبراهيم له خلال خروجهما من المسجد.
ـ لِمَ لا نتناول كأس شاي عند الحاج العبادي في دكانه. عزيز عليه سماع مثل هذه المناقشات. وهي فرصة لرؤية السوق الداخلي و ما يروج فيه.
ـ كما تريد آ الحاج العربي.
كان المنتصف الأخير من عقد الأربعينيات مشتعلا بالأحداث و وضع المستعمِر على نار هادئة. كما وضع المستعمَر كذلك عليها. و الحاج العربي إمام الجمعة محط أنظار و أعين الفرانسيس. يدركون أن أكبر خطر عليهم يأتي من العلماء المتسيين. و أن اعتمادهم على دراسات العلماء في استعمار البلدان هو خير معيار يجعلهم يهابون وعي علماء هذه البلدان. خصوصا مادة التاريخ التي إذا ما أعادت تفسير الأحداث، فإن الحقائق ستطفو على سطح البحيرة الراكدة لعقول الناس المنشغلة باليومي و كدّه و تعبه.
الحاج العربي، يعلم أ، فرانسيس لعبت على قولبة عقول المغاربة و جعل الشرخ في لحمتها بالظهير البربري. يعلم كذلك قيمة وثيقة المطالبة بالاستقلال. هو خريج جامعة القرويين، و صوته حاضر و ظله مساهم في تشكيل مواقفها و قراءتها لوضع البلد عموما.
إنما هذا العشي من شهر جمادى الأولى الموافق لمارس، و الذي هلّ ربيعه باكرا، كان مهيئا لموضوعٍ شهيٍّ أثارته روايات الحاج إبراهيم التي انتشر و عمّ صداها الأرجاء و الآذان.
كانت رواية الإمام الحاج العربي مغايرة تماما لِما حكاه الحاج إبراهيم. كون من شفع للأمير مولاي اليزيد ليس هم الشرفاء الأدارسة، و إنما الشرفاء العلميين الذين احتمى بحرمات ديارهم و ضريحهم. و أنهم هم الذين جاؤوا لحضرة السلطان يطلبون عفوه عن ابنه. و بعد الانتهاء من روايته، طالبه الحاج العربي قائلا :
ـ اسمع آ الحاج إبراهيم، أحضر المخطوط الموجود عندك لنتأكد منه. ثم مسألة مهمة أقولها لك، لا روايتك و لا روايتي تهم أصحاب السلطة و المُلك. إذا لم ترُقهم رفضوها. لذلك لا يحبون أن يحكى شيء لا يوافقون عليه. ربما يريدون محو تلك الأحداث من التاريخ، و محو أخطائهم. و أنت و أنا، حينما نحيي هذه الروايات فإننا نخلق بلبلة و فتنة. رغم أنها تعود لقرن و نصف، إلا أنها تبقى متقدة، و إذا وصل شريطها لحاضرنا، من يدري، تشعل نارا يصعب إخماد حريقها. أترى تلك الكومة من الصوف التي يضعها سي علال المومني في ساحة السوق الداخلي، عودُ كبريت كافٍ لكي يرجعها دخانا منثورا. و لا تنس أن البلاد تمر من مراحل صعيبة. لذلك لا يجب أن نملأ عقول الناس بالمتناقضات.
ـ آ الحاج العربي، كما تعلم، فإنني عاشق للتاريخ و تاريخ جبل العلم و العلميين. أيُّ كتاب توجهني لقراءته الآن؟
ـ سأعطيك ما عندي لتقرأه. و لكن، لا تتسرع في رواية ما فيه للناس. فكل واحد ينقل ما يشاء مما يسمعه و يحكي المخالف.
ـ حاضر آ الحاج العربي. و لو أنني هذه الليلة أستضيف بعضهم في الرياض.
ـ بالصحة الجلسة. و لكن لا تطيلوا في كلامها، فالأعين متوجسة و فرانسيس غير مرتاحين. عينك ميزانك آ الحاج إبراهيم