ـ
تعلم لالة الياقوت أن شفاء نفس الحاج هي الصلاة و ذكر الله. و ذلك بالخشوع الذي يسافر به تجاه القبلة. تعلم ان الحاج إبراهيم لا يفتح صدره إلا في حضرتها. يقول كل شيء. يفرغ كل همّ جديد ألَمَّ به.
ـ لا أعلم، آ لالة الياقوت، هل العلم نور و شعلة أم حريق يأتي على كل شيء؟ يمكن يربي، لما قال لنا لا تطّلعوا على الأمانة، انه أرادنا ألا نشغل بالنا بأسباب وجودها و إيداعها، حتى لا نزيد الحياة مشاكل، هي مؤجلة في حلها. يمكن ربي ترك السي العوفي يبحث عن حلول بعيدا عن زرهون. و حينما يعود ستذهب تلك المشاكل. إنما إذا ظهر من سيوقد النار في الغابة، ظهر السبب في المحن التي يعيشها الناس. المجاعة، زادها تهريب قوتنا ضعفا لنا. الحروب أكبت الرجال في البلاد البعيدة و التي لا علاقة لنا بها. الأراضي أخذوها من أصحابها و صيروهم معوزين و مستخدمين. من يدري، يوم يأتي الدور على الحاج إبراهيم؟ ربما على الشرفاء العلميين أو الإدريسييين أو العلويين؟ يومها، آش المعمول؟ الاستعمار غول لا يشبع. ينام بجانبك شبعانا. تظنه في سلام آمنا مأمونا. يوم يجوع يلتهمك. الاستقلال هو الحل آ لالة الياقوت. قرأت عليك آ لالة الياقوت تلك المرة جريدة السعادة و وثيقة المطالبة بالاستقلال. لازم الكل يستفيق و يقوم و يقاوم حتى نطرد فرنسيس.
16ـ
حينما يتحول المنتزه إلى خلوة، تكون الرحلة قد بدأت إلى أعماق و أسرار. يسافر الحاج إبراهيم مرتبا بضاعة النفس التي لا تباع و لا تشترى، لكنها تحتاج إلى عجين كل حين.
في جلسة ملحون ما بعد صلاة العصر ليوم خميس، من أيام شهر أبريل، من سنة 1949، و حيث تفتقت الطبيعة بعطرها الفاتح، فكانت رائحة الورد البلدي الزرهوني تحلق بحاسة الشم إلى السماوات العشق، كما كانت رائحة الزهر التي تعم الرياض من الشجرات الثلاث، واحدة للبرتقال و اثنتان للارنج، حضر الجلسة كل من سي عبدالكريم بن سليمان و محمد الخراز. بينما غاب سي عبدالعزيز الحجام.
جلسة طرب تغنى فيها الجمع بالربيع، بقصيدة نظمها سي محمد الخراز. و ما كان تركُه لدكان حرفته و قوت يومه و عياله سوى تلبية لبيلته و قصيدته و آلة عوده الرقيقة ذات الأوتار الثلاثة ( التنتين ) :
الربيع بسط تلابيب قلبي
سقى من جبال بلادي روحي
و أنا هايم، هايم
الزهر.. فتّحْ شنايف حبي
يطالب الريح : يا قِبلةَ، فوحي
يا قِبلةَ روحي
راني الشتا و الخريف
و انا صايم، صايمْ
قُبلة... بوسة.. على خدود الورد
نوضع صورة حبيبي
يا رمانة بوحي
بالاحمر خْمرْ العْمرْ
و انا في حوضه عايمْ... عايمْ
هاذ الربيع
زهاوا غزلانو
في رياض القصبة غنوا ريحانو
حرق قلبي
اشقى روحي
على خدود الورد
انا طالب و الْقِيتْ سلامو
يا ريح خرق شقايق مصمومة
انا طالب سلامو
نعوم في مقامو
...
ـ هذه القصيدة بديعة آ سي محمد. تبارك الله عليك.
ـ أجيبك آ السي، بقصيدة ( اللمة ) التي تجمع الاصحاب. خذ التعريجة و اتبعْ المقام و الميزان.
انتهت جلسة الطرب قبيل آذان صلاة المغرب. كانت حُمرة قرص الشمس الساحرة كمنبه لأفول وقت الغناء و المحلون كذلك، إلى جانب أفول شمس هذا الربيع التي راقصت بلونها ألوان الوجدان و جدران المنازل و الأشجار المواجهة لقِبلة غروبها.
اقتصر الثلاثي على القصيدتين الجديدتين للمعلم محمد الخراز. طبعا، ستكون مواعيد مقبلة لمزيد استمتاع بهما. افرنقع الجمع و بقي الحاج إبراهيم جالسا أما بوابة منزهه و سقيفته. سيؤدي صلاة المغرب فردا في رياضه. كان الآذان فاصلا بين عالمين و صورتين. نقله من حركية حواس و صورة و نغم إلى سكون عالم داخلي محجوب. فتحت نفسه لبوحها أبواب الهمس و قرعت حصن القلب الذي يكون في صموده و قوته هشا في صمته : عيون الذئاب !
انتبه الحاج إبراهيم إلى الأصوات التي كانت تحذره كل حين. فجأة، جاءت بأكملها في لحظة واحدة إلى خاطره الذي صحا من خمرة الملحون و سكرته. الحذر من حكيه لتاريخ السلطان مولاي اليزيد. الحذر من "بياعة" فرنسا و مخبريهم. الحذر من القايد الذي بدأت شوكته تستقوي، و نبشه عن أخبار حركة المقاومة بزرهون المدينة و الجبل، و التي بدأت رائحة احاديثها الساخنة تخترق آذان سابحة في المجال. هو نبش بدأ يكبر و يحفر ما لا يجب الوصول إليه، لأنه مقدس : الحرية و الشهادة. مقدس حمامة بجناحين مع : الحرية و الشهادة. شعار و صورة قرأهما في إحدى الجرائد الوطنية التي يحتفظ ببعض نسخها رغم تقادم بعضها. لكنها خيط رابط للذاكرة و الوعي. التاريخ الراهن، و الواقع الحالي، و المستقبل المطلوب. مرت كصور متسارعة عناوينها. ربما رفرفة ذكر حمام امامه مع هديله، هي تلك التي ألهمت الباطن لكي يبوح بالصور و العناوين. ( عمل الشعب ) للوزاني. ( جريدة المغرب ) لأحمد لبلافريج.
سها الحاج إبراهيم حتى عمّ اللون اللزوردي سقف السماء، مضاءً ببدر اكتمل مع منتصف شهر جمادى الثاني من سنة 1368ه. بينما أخذ فضاء المنزه و الرياض يغرق في بنفسجية داكنة متحولة إلى سواد.
استغفر الله و قام إلى طست يتوضأ بمائه على جانب الساقية الجارية. أدى صلاة المغرب و دخل إلى منزل الأسرة و زوجتيه و أولاده، و الجملة الباقية و القارعة و المنبهة : عيون الذئاب.