ربما وجب البدء و التفكير داخل حقل التأثيرات العالمية و المناخ الدولي لكي تبقى المقاربة قريبة من الشمولية في التناول و من مسك الخيوط اللازمة و المساعدة على التحليل.
فعلا نسجل زخم التطور التكنولوجي الذي انفتح معه العالم على تفاعلات جديدة جعلته قرية صغيرة. جعل المعلومة كما الحقيقة داخل مرآة الكل في اللحظة و الثانية. أخرجت االفرد من هرمية الانتظار المطلبي في الاستفادة البيرقراطية التحقيق داخل الحقل الثقافي على الخصوص إلى الاعتراف المباشر الذي يكرمه و يشرفه و يقومه و يرقى به إلى المكانة التي يستحقها كمبدع و كإنسان.
لقد وجد الفرد في العلاقات الرقمية قيما جديدة و انتماء جديدا قائما على مبادىء كونية تقترب من المنظومة الحقوقية الغربية و اللبرالية بحكم احتوائها للمشروع العولمي. و هي بالمقارنة ستكون أرقى من المنظومات القائمة واقعيا داخل بلدان لم تخرج من شبح الاستبداد و الهضم لحقوق و عدم الاعتراف الكياني لها إلا داخل تراتبية قروسطية تُشيئها و تبخسها إلى درجات ليست بالإنسانية في الاعتبار.
وبعيدا عن التاثيرات السلبية التي لا يخلو مجال منها داخل نسبية موضوعية، سنبقى في تحليل رحلة الاكتشاف و الاستكشاف للذات كما لعوالم احلام و إبداع جديدة.
ثقافيا، انخرط الجل في توظيف تكنولوجيا المعلوميات بالكتابة كما بالتشكيل و التركيب و التسجيل و التواصل. تفاعل الجل داخل منتديات و تعامل بشكل شبه مباشر مع مؤسسات و هيئات احتضنت إبداعه و عمله، فوجدنا الاعتراف الدولي قبل الداخلي بمبدع أو فنان أو رسام أو اديب أو غير هؤلاء...
لقد بقيت الهرميات البيروقراطية كقطار يستعمل الفحم الحجري، في حين ركب الأفراد القطار السريع بطاقته الكهربائية. لكن آلة التحكم في المجال تبقى سياسية. ذلك أن المثقف يريد دائما أن يزرع بذور إبداعه في تربته لكي يستنشق هواءها و ينعم بنسيمها.
عرفت مرحلة الثمانينيات و التسعينيات طفرة كبيرة في تشكُّل مؤسسات المجتمع المدني. و انتقلت المرحلة إلى ضعف الثقة في المؤسسات الرسمية للدولة و في سحب البساط من يدها في تدبير الشأن المحلي. بل الأخطر من ذلك، أن المجتمع الدولي الذي تأتي منه مشاريع الدعم و الشراكات بدأ يتعامل مباشرة مع جمعيات المجتمع المدني. ذلك أن الحسابات البنكية في المصارف الغربية تعري فضائح الاغتناء الفردي لبعض المسؤولين داخل دول تعاني من المجاعات و الأوبئة و الأمية و الفقر و غياب كرامة الإنسان.
هكذا بدأت أنشطة المجتمع المدني متنوعة و محققة لإنجازات مشرفة. و في المجال الثقافي، بدأ إشعاعها و صيتها يرجّع الصدى دوليا بالاعتراف و التنويه. و بتنا نرى النجاح الذي تحققه أنشطة المحيط أو الهامش تنافس أو تتجاوز ما يقوم به المركز، هذا الغارق في خدمة الرسميات ز تكريس الإيديولوجيات و تثبيت السياسات.
ستتغير آلة التحكم. و ستبين الوقائع الجرح العميق الذي تقادم و عمّر على جسد الروح المجتمعية.
سيأتي المركز عند الهامش ليسأل عن حقه من التركة أو الكعكة. قبضة القانون و المحاسبة ستكون حاضرة كذلك. و لعلها هي الشرعية الوحيدة التي حافظت على استمرار العلاقة بينهما. و كما قلنا فكل شيء تسِمه النسبية بين الإيجابيات و السلبيات.. كان لابد من هذه الجدلية التفاعلية طبعا لكي يبقى التقويم و التصحيح في مسار السلوك الإنساني لضرورته اللازمة.
إن ظروف العولمة الجديدة فرضت على كل الأنظمة هذا التغير و التعامل. خرجت من مرحلة إلى أخرى. و كان لها الدور في تغيير معادلة العلاقة بين المركز و المحيط.
لكن هذا لا ينفي بقاء هيمنة مركزية و استفادة فئوية أو جهوية من السياسات القديمة و من هيكلتها المادية و الادارية و اللوجيستيكية وغيرها. ما يعني أن ما تحقق لحد الآن غير كافٍ للحديث عن فك الحصار عن الثقافة و جعلها مستفيدة من دمقرطة في التمظهر و التعبير و الحضور، و الخدمات الموفَّرة لها في كل ذلك.
ما يعني كذلك داخل زاوية رؤية أخرى أن الثقافة تتحسن و تتطور مع تطور الديمقراطية و خدمات المواطن و سيادة دولة الحق و القانون و العدالة و المساواة و استقلالية السلط التي تضمن كرامة المواطن و الوطن. و بالمقابل، فسوء التدبير السياسي و الديمقراطي و الإداري، ينتج عنه سوء التشكل و التمظهر الثقافيين، في جدلية لا تفصل السياسي عن الثقافي. إنما لابد من أمثلة تؤكد صحة هذا التلازم من داخل المؤسسات السياسية و تنظيماتها المتفرعة.