ارتمت في الأفق ذكريات كثيرة. تفجرت من غياهب النسيان، و شكّلت سحبا متفرقة مع هذا الامتداد الذي يحاول أن يسرق ما تبقى من فستان الشمس الأرجواني لكي يلتحف به ستارا ليليا يتدثر بدفئه إلى غاية صباح جديد.ـ
لقد بدأت الأنوار تتلألأ منعكسة على اشكال و هندسات البنايات كما الشوارع و الأزقة. جمالية ثريا افترشت المنبسط المتدحرج للجزء السفلي من مدينة تازة، أو (تازة السفلى ) كما يسميها أهلها و تنطق باسمها ( ديلار ).ـ
هذا الاسم الذي تنفرد به المدينة بين باقي المدن المغربية، و لا تجده إلا نادرا فيي الاستعمال و التسميات. تتساءل معه ديلار :ـ
أترى أي غرائبية يحملها و يتضمنها، فتجعل الناس يتوجسون منه خيفة؟ كيف استطاع أبي أن يختاره من آلاف الأسماء و يجعلهه هوية فردية لي و لانتمائي العائلي و التازوي المغربي؟
ـ ( ديلار )، أو النية الصافية كما في شرحها البسيط الأول. شكّل بحثا ذاتيا داخليا طول حياتي عن هذه النية. عمّق حفريات الاكتشاف الباطني في دواخلي. و كلما كبُرت، و كبُر عقلي و تعليمي و وعيي معها، كبرت و تشكلت أطباق سماوات وجدانية تستنجد بالخيال لكي تسع الكون الصافي لهذه النية.ـ
تُراني كنت صموتة لهذا السبب. كنتُ أترجم آرائي كتابة و برسم رموز معبرة و كاريكاتورات غريبة ممثلة لمسرحية اللوحات التي تستقبلها حواسي للعوالم المحيطة بنيتي و بكل عمليات رفع عيني المبتسمتين للمخاطِب و الحاكي.ـ
كانت ابتساماتي تشفع لي كلما تمّ الالتفات لجهتي و طلب أجوبتي و ردودي. الأم، كانت تتجاوز سؤالها الأول بأمرها الذي يعقبه. فكنت أنفذ طاعة و إرضاء و حبا ما تريده في عمليات متدرجة للأول ثم الثاني و هكذا ، لكل طلبياتها. أُقبل خدها أو يدها بعد الانتهاء، و أعود لزاوية انطلاقي التي استأمنتها على صمتي الوديع المحتضن لأحلامي.ـ
كان عالما يحتوي عوالم، أصنعها و أعيشها في دواخل نيتي الصافية، في اسمي الفريد و الوتر داخل حيي و مدينتي ( ديلار ).ـ
تسمية تُعجِب كل من تعرف إلي بها. تغار منها البنات قبل الأولاد الذكور. لكن، لا أحد فكّر في تسمية بنت مولودة بهذا الاسم. ـ
أي قوة يحتاجها الأبوان في تخطيط هوية اسم لأولادهما؟ و مع ذلك كان الرهان مربوحا في نطق اسمي و عشقه. هذا العشق الذي تبلور فصول ربيع و فضول قطف لأزهاره في ربوع جنانه و لو حتى بطمع رد جواب على نداء باسم ( ديلار ). يكفي أن أرد نعم. كأنه طرق لحقيقة السماء و الرغبة في الإطلالة على سدرة منتهاها للتأكد من حقيقتها. أنا فعلا هي، اسمي ( ديلار ). و ماذا بعد ؟
هواء عليل حمله هذا المساء. استكان نبض القلب على شرفة الريح التي أُطل من فوقها على عالم سفلي ينتمي للماضي الشخصي و لذاكرة ديلار. كأنه يحمل أرواحا تعبر روحها، فتتمثلها وتدعوها لعيش لحظات تداخل بين الأزمان و الأرواح. تُسائل ديلار نفسها : ـ
هل سأتحوّل إلى شخص شبح غريب مع هذا الشعور؟ هل ستسكنني أرواح المكان في تعطش لديلاره التي غابت كل هذه السنوات؟ هل ستلومني على الهجر و الابتعاد؟
محاكمة رفيعة و رقيقة عاشتها ديلار خلال لحظات وقوفها على باب الريح. أجّلت كل تفاعل جديد داخلي معها. عبّتْ نفَسا كبيرا منتشيا بسعادة اللقاء، و لو كان مع أرواح. كانها كانت تريد أن تمضي مغمضة العينين في جولتها. استدارت بإلهامها جهة القوس المفتوح الذي ستلج عبره عالم المدينة القديمة لمدينة تازة العليا، و لفضاءاتها التجارية و تشكل هويتها الجماعية في ذلك الازدحام اليومي بين الباعة و الناس المتجولين، من النساء و الأطفال غالبا، في ( قبة السوق ). ازدحام يجدد و يشحن بطاقة التعريف الشخصية الداخلية و تلك النية الصافية التي تحملها ديلار في أولى خطواتها داخل السوق الداخلي و بالقرب من المسجد الكبير. و طبعا، تغلب الابتسامة مع هذه الاستنتاجات، و تحضر العمليات الإلكترونية التي تستعمل فيها بطاقتها المرقونة و المرموزة بشيفرات مرقمة في العمل كما في ولوجيات الفضاءات و القطاعات. إنما بطاقة مرورها عبر ازقة تازة العليا مجرد نية صافية. ذلك ما أعطاها شعورا بسعادة كبيرة تكفي الثقة التاريخية و الابتسامة المعطرة لجسدها الأنثوي لكي تشفع لها في مقامها و زيارتها لمدينتها الأم : تازة.ـ