الهوية المغتربة
الاغتراب مفارقات تعطي التباعد بين العناصر المكونة للشيء الواحد ربما ... و داخل الشخصية سيكون شعورا بانفصامها عن الواقع و مكوناته أو تباعدا بن مشاعرها و تفكيرها و إحساسها ... و داخل المجتمع تفككا باطنيا في العلاقات رغم استمرارها الخارجي في التمظهر .... ـ
الكتابة الديمقراطية تؤمن بأنها إضافة نسبية و مجرد لبِنة بناء بين أخريات ، تساهم بجزء يسير إنما له أهميته و قيمته و حقه و فاعليته في الاشتغال و التفاعل ... و التفاعل هو الحياة الديمقراطية السليمة ...
الكتابة في موضوع معين ، تناول لجزئيات منه دون قدرة أو ادعاء بالمقاربة الشاملة له ...
من هذا المنطلق سيكون تناول موضوع الهوية و اغترابها ... محاولة لرصد ملاحظات تنضاف لأخريات ، و لقلوبنا و عقولنا جميعا مهمة الاستمرار في المعالجة الصحية التي تحاول الاقتراب من الموضوعية و الواقعية و المنطق العلمي في تناول موضوع شائك مثل هذا ، منفلت زئبقيا كلما حاولنا المسك بخواتمه ، إذ لا خواتم آنية للحياة الفردية و المجتمعية ، فهي خالدة داخل النسبي ، و نسبية داخل الخلود ... جدلية ضرورية للقفز على خيط الزمن الهارب إلى الأمام من ذاك الوراء العالق في عقولنا و نفوسنا ... ـ
تشكيل الهوية مثل تشكيل لوحة ، بحسب الألوان و المدارس و اتجاهات الاشتغال ، و أدوات الرسام و أرضية العمل و ورشته ... ـ
وهنا سنتناول زاوية خفية و منفلتة عن الإدراك العياني للأمور ... سنبدأ مثلا بهوية الوطن و الدولة ، و الشعور بالانتماء لهما ... سنلاحظ واقع الفرد المغربي عندنا ، و نتابع مدى حضور هذا الشعور بالانتماء للوطن و الدولة ، و مدى الوفاء لهما في الشعور و الإخلاص و الالتزام ... ـ
هل فعلا هناك اغتراب عند الفرد في علاقته مع مكون الوطن و الدولة ؟
الملاحظات المألوفة منها تلك المتعلقة بوضع الفرد في علاقته مع تجهيزات و ممتلكات عمومية ... قد نجد البعض أنه يلجأ لهدمها أو انتزاعها و حملها مثلا ... و طبعا تتفاوت أشكال الوعي و السلوك عند الفرد و في الحكم عليه في هذه المسألة ... إنما يبقى السؤال : لماذا هذا السلوك التدميري و الانتقامي عند المواطن ؟ ماذا تشكل عنده صورة الدولة ، و صورة الوطن ؟
سؤالان مهمان يقوداننا إلى ضرورة التعرف على معنى الوطن و معنى الدولة ، و كذلك التمثل المفاهيمي الحاضر في ذهن و وعي و قناعات الفرد القيمية حول المفهومين ـ الكيانين ...ـ
في ملاحظة العمليات الانتخابية ، نجد نفورا و عدم ارتياح من المشاركة فيها ... و بالتبع كأنه تموقف مغترب من أدوار الدولة ، و ما يسمى بخدمة الوطن ... فالذي يوضع بين قوسين هنا هو تلك الخدمة و ذلك التعاقد المرتبط بها بين الحقوق و الواجبات ، الخدمات و الالتزامات ... ـ
إن القيم التي تبني العلاقة بين الفرد و الوطن ككيان مشترك ، و الدولة من جهة أخرى ككيان يمثل تنظيم حياته و ينوب عنه فيها مؤسساتيا و سياسيا و تدبيريا قانونيا ودستوريا ، تحتاج إلى تجلٍّ مناسب و فعلي يمَكّننا من تشخيص العلاقة بين الثلاثي الافتراضي : الفرد ـ الوطن ـ الدولة ...ـ
الحب ، الوفاء ، الإخلاص ، التضحية ، الإيثار ، وغيرها من القيم الأخلاقية التي تبني تفاني الفرد في علاقته مع الوطن ، تتدخل الدولة لتبرهن على صحة هذا التفاعل و ترجمته بوفاء في خدماتها و تدبيرها ... فالثقة مثلا تنطلق من الفرد إلى الدولة لتتنزل عبر ربوع كلمة تجسد خريطة و جغرافيا و مجال وحياة و استمرار كائن مُركب اسمه : الوطن .ـ
يجتر الذهن الفردي تراكما تاريخيا حول مفهومه للدولة و الوطن ... يتقاطع مع منظومات و نسقيات أخلاقية و دينية و سياسية و اجتماعية و ثقافية في تصوره و تشكيله و تموقفه و تفاعله مع المسمى وطنا و دولةً . ـ
نجد تراكم علاقة ذات ترسبات سلبية و إيجابية بشكل جدلي بين الفرد و مصطلح و مفهوم المخزن ... فالمصطلح ربما هو ذلك الثابت بالقانون و القوة و الفعل بالتحقق في لحظة ما و مكان ما ... أما المفهوم فهو ذاك الاستمرار بتلوُّنات متنوعة للمصطلح و تأثيره على الفرد و فرضه علاقة معه بتدخلات متعددة و متجددة ... ـ
راكمت شخصية المخزن علاقات مع الأفراد و الجماعات القبلية و الاقليمية و الطبقية ... أعطت صورتها و مرآة شخصيتها التي نقلتها تربية الأجيال لما لحق منها ... و لا زالت حاضرة اليوم في الوعي الشعبي و المثقف العالِم داخل مجتمعنا...
و قد شكلت المواقف النقدية محطات و مسافات اغتراب متنوعة و متفاوتة طبعا بين الفرد و هذا الكيان الغريب عن الحياة المألوفة داخل الأسرة و العشيرة و الفضاء الاجتماعي اليومي ... إلا إذا تمظهر بكسوته و دورياته و أوامره و اقتطاعاته و أشكال زجره و نهيه ...
انضاف مفهوم الدولة العصرية الذي أدخلته المرحلة الحديثة مع تجربة الاستعمار الفرنسي .. و انضافت عقدة الاحتلال مع سلطة الحكم و التسيير المراقب و الملزم و النافذ في المصالح و الحريات مع مؤسسات الدولة المعاصرة ...
و لما شكّل الاثنان عقدة و غصة في الذاكرة الجمعية للأفراد المشكلين لمجتمعٍ ، ترجوا خيرا في مرحلة جديدة هي ما بعد الاستعمار و بداية مرحلة الاستقلال بشعاراتها و سياساتها و تدخلاتها ... و بما أن الأمور بخواتمها ، فإن الشعوب تنتظر هذه الخواتم لتبرهن على الحكم المناسب تأكيدا أو نقدا و تفنيدا .... هكذا ستكون مرحلة الواقع حاكمة على ما سبق ... فكيف هو هذا الحكم و هذا التموقف و هذا التعامل بينهما ؟ و كيف ينتقل لتصور الوطن و تحقيق هذا الوطن ؟ ذلك الكيان الافتراضي الذي يتحقق بلبنات التشييد الفردي و الجماعي ...ـ
هذه بدايات رصد لأشكال الاغتراب التي باعدت المسافات نسبيا و بأشكال متفاوتة بين الفرد و كيان الدولة و جسد الوطن و روحه ... و يبقى للحديث قطار حياة نركبه فلابد لنا أن نساهم في رحلته و إيصاله إلى محطاته المتعددة و الاحتفال بإنجازاته ... و للحديث بقية من عبق وطن و ظلال دولة و سماء افراد هم المجتمع ككل .ـ
لا ننس اننا سنتطرق للاغتراب المزدوج خارج الوطن و داخل منفاه الداخلي كذلك ...ـ