ليلة الخميس أو ليلة الجمعة، كل واحد في المدينة يربطها بخيوط حدثها و زمنها. فليلة الخميس سيعنون بها التحضير لمساء يوم الخميس. قد يكون عشاء أو وليمة يعرض و يعزم لها الأحباب و الأقرباء، أو هي ليلة الذهاب إلى الحمام الساخن و القريب من حي السكنى، أو ليلة مناسبة تكون مع نهاية الأسبوع و تبركا بيوم الغد الذي هو الجمعة... أما ليلة الجمعة، فإن الإشارة ستكون إلى ما هو مرتبط بالمستقبل و الغد القريب و ما نحضره ليلتها و نستعد به ليومٍ هو عيد المومنين الأسبوعي، و الذي له طقوسه و شعائره، ترتبط بما هو اجتماعي و شخصي و ديني تعبدي، تنظم الديني مع الدنيوي...
في شهر جمادى الأولى لهذه السنة 1368ه و الموافق لشهر مارس 1949م، و حيث بدأ النهار يطول و الجو يميل إلى دفء يعِدُ بفصل ربيع مزهر، بعد فصل شتاء و أربعينيته القارسة و الممطرة، تبدو على منبسط سهل خومان صفحة خضراء ناضرة، فألها سنة فلاحية واعدة، بعدما مرت سنوات عجاف عانت منها البلاد من جفاف و مجاعات و أوبئة، حتى إن النفوس لم تبرأ من جراحها و هلعها و آلامها و مفقوديها. كما أن أشجار البساتين الممتدة على جنبات ضفاف وادي خومان، أخذت الوانها البنية الداكنة، و انعدمت آثار اصفرار أو يبس بين فروعها. في حين بدأ بعض الإزهار و التلون الذي يؤثث رؤية السهل الأخضر، حتى إنه يشكل خط البساتين كحزام مزركش يشد جسد سهل بورياح مع صدر المدينة التي يغلب على رأسها شكل بياض مستحم بقبة سماء زرقاء، مصباحها شمس مالت إلى حمرة ناعمة كأنها تستجمع تلابيب أشعتها مع كل غروب.
هي إطلالة الحاج إبراهيم مع شمس شفقية في انتظار آذان صلاة المغرب بجامع البلغيثيين من اعلى الربوة الفاصلة بين قوس باب القصبة و قوس باب عين الرجال المحادي للقصابين الذين ركنوا عُدّتهم و بضاعتهم و منتوجها في أماكنها المخصصة لها.
عيناه تراقبان كذلك رجوع الفلاحين من حقولهم و بساتينهم. دواب متعبة بجهد النهار، لكنها أكيد استراحت لما بعد الزوال حتى تستعد في عودتها إلى المدينة. يتساءل حول ما سيجود به بستانه الذي يطل عليه في حوض الساحل المرابط لحزام السور الكبير الذي يحمي المدينة من جهة الغرب، و الذي تغلق أبوابه مباشرة بعد صلاة المغرب، فلا تفتح إلا على الاستثناء للأشخاص المعروفين و المألوفين أو المغادرين المضطرين.
تسرح عينا الحاج إبراهيم بعيدا إلى اتجاه باب الحجر، ثم تصعد في خط واحد حتى باب الزهر، و تتراجع الرؤية إلى باب القوس التحتي أسفل باب القصبة.
ربما هذا المساء لن يشتري شيئا يذكر من الفلاحين العائدين. و ربما يكون مستخدمه و المشرف على بستانه ( السي علال العسبي )، و صهره كذلك، قد بعث بما جادت الطبيعة به عليهما من خيرات فصلية و موسمية تم قطفها أ, جنيها من البَحيرة.
يفكر مليا لآخر ما رواه لجماعته حول قصة المولى اليزيد كأمير و كملك. يتذكر يوم جلوسه مع إمام المسجد و العالم الكبير الذي عايش الروايات الأولى و شهاداتها حول الأحداث، و الذي يمتلك هو الآخر مخطوطات رسائل و مدونات لتاريخ المدينة و فتاوى فقهائها و مؤلفات بعض علمائها. كيف عارض الإمام رواية الحاج إبراهيم و اعتبرها تخلط بين الأحداث و المراحل. في جزء منها صحيحة و مهمة. و في جزء آخر ضعيفة و معلولة، لا تستند إلى توثيق صحيح.
يتنفس بعمق يحول نظرته من استرخاء قسمات الوجه إلى جدية تجحظ معها العينان و يساعدهما في ذلك غياب قرص الشمس القرمزي و أفوله في الأفق البعيد.
يتساءل مع المجال و الفضاء : أي حكي هو صحيح؟ أ هو الذي يرويه لجماعات أصدقائه و أهله، أم هو الذي لم يسمعه بعد من الإمام، إمام المسجد الأكبر بالمدينة؟
ينتظر الآذان الذي سيخلصه من ورطته الذهنية، و الذي سيغسل به نيته التي لوثها التساؤل. ربما ضعفها من ضعف تعلمه الذي لم يثابر عليه. فما بعد حفظ القرآن و أوليات العلوم، بحور للمعرفة و التفقه، لم يستطع الاستمرار فيها. كان لابد له أن يبني شخصيته الدنيوية و الاجتماعية و الثقافية. ها هو اليوم سيد نفسه و عائلته. مستقل برياضه الفسيح و تجارته و ممتلكاته. متزوج بشرع الله و عدله من امرأتين.مشرف لرمزية مقامه الاجتماعي و النسبي. رغم أن نظرات البعض تحد من كل هذا الطموح و النجاح الذي حققه. تقزم من هالة حجه و خمسينيته التي سيشرف عليها قريبا. تحاول محاكمته رمزيا و لو بالإشارات، بما قصّر فيه خلال حياته. و ما قصّر فيه لم يكن سوى مهمة للشرفاء العلميين و جيرانهم البلغيثيين، مهمة العلم و القضاء و الحسبة. لذلك قدم هؤلاء إلى مدينة مولاي إدريس زرهون، فكان رأسمالهم لأخذ شرعية الانتماء و قوة الحضور. رأسمالهم الذي يسجل به التاريخ عظمتهم. و ما هم من مقام مولاي عبدالسلام بن مشيش، و لا من علو جبل العلم الذي أتوا منه كعلميين، و تشرّفوا بالنسب له و الانتماء له، إن هم لم يخلصوا في المهمة القدرية و السياسية و الاجتماعية و الدينية و غيرها.
حسرة عابرة و ضاغطة، يطفئ لهيبها آذان الصلاة الآتي من سوت سيدي عبدالسلام العلمي مؤذن مسجد الدار الجديدة، قبل أن يتبعه آذان صوامع أخرى مجاورة.
خلال سجوده من الركعة الثانية، و هو يسبح ربه الأعلى ( سبحان ربي الأعلى )، تخيّل جلوسه مع حضرة إمام المسجد بالجامع الكبير لتوقيت ما بعد صلاة العصر. تراءت ألوان سلطانية مزخرِفة ألبسة صدرية. مظلة تلقي بظلالها و ريح عليلة تهب بنسيم اختلط بين ماء الزهر الذي ما يزال يعطر جلبابه و عنقه، و ريح الحصير الذي يضع صفحة وجهه بجبهة و مارن أنفه فوقه. أهي رؤيا أم حلم يقظة؟
بعد الفراغ من الصلاة و نوافلها و دعائها، و بعد الانتهاء من قراءة القرآن الجماعية التي جمعت ستة أشخاص هو سابعهم بهذا المسجد الصغير، رَكَنَ إلى زاوية من المسجد، و قرر انتظار آذان صلاة العشاء في خشوع و تأمل و استرجاع. حاول كل مرة تفسير الألوان و الظلال و المكان. أكيد ستكون له جلسة خاصة مع حضرة الإمام.