على طول الطريق المؤدية للقرية،سور المقبرة الرمزي،حتى إنك تجده بقايا آثار بلا ابواب... لكنه يبقى دائما سورا للمقبرة رغم كونه أشلاء...
جماعة من الناس بداخل المقبرة واقفين،ونسوة بمدخلها الرئيسي ... ينتحبن تعاسة العيش الذي تغتصبه الموت منهن كل حين .. كأنهن رافضات للذهاب ـراغبات في الخلود،لكن هذه الدنيا تستطيع جرف دموعهن نادمات ...
ـ من ماتْ؟ اللهم ارحم جميع المسلمين والمسلمات.. ـ هكذا عقب بالدعاء على سؤاله قبل أن يجعل الاشارة الضوئية لجهة اليمين ويركن سيارته امام باب المقبرة. فعرف القرية الكل متآزر في أحزانه وجنازاته..
مروا على جماعة النسوة دون توقف،راجلين حتى مكان الدفن:
ـ آزركم الله في أم المعطي بن شعيب...
ـ عزاؤنا واحد..اللهم ارحمها واسكنها فسيح جناتك.
ملتفتاً الى سعيد ومحمد،أضاف صالح:
ـ هذه زوجة شعيب،شاعر القرية قديما..امرأة مسنة الآن.
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.
......
بعد الانتهاء من مراسيم الدفن وقراءة سورة يس والدعاء والترحم،تم تبادل التعازي ... كان حضور الضيفين مع صالح كمنفرج جعل ابتسامة هادئة على محيى أهل المرحومة ... انفتح قوس تاريخ جمع الزاهد و الشاعر، وعَمَّر في فضاء القرية حتى بعد رحيلهما... و ها هو اليوم يتجدد في هذا الجو الروحاني الحزين...
مكونات ثلاثة : أسرة الأب الجد الروحاني ، وأسرة الشاعرالفصيح الذي دَوَّن الأخبار وكتب الرسائل ، وقبيلة أمغار صاحبة الامتداد في التاريخ والمنطقة،والمزخرفة بفسيفسائها لباقي أرجاء جبال الأطلس والسهول المنحدرة،من أغادير ،مرورا على ضفاف درعة وتارودانت حتى ورزازات وعروجا على مراكش الحمراء ... غنى ثقافة، وتربية وانتماء ، شكل هوية مركبة لجميع الأسر المنصهرة فيما بينها...
تداعت الأفكار عند محمد بن المصطفى،وعيناه تتجولان بين الوجوه والتضاريس المحيطة،بين الأشجار البعيدة المورقة ويبس تربة المقبرة... استمر السفر الذهني ،أهل الشيخ من القرية،وأهل الشاعر من القرية،رغم المصاهرات الممتدة بين المناطق وحتى القارات...هذه المانية بهوية تركية،وهذه كندية بهوية يونانية اوربية...وماذا بعد؟
راودت هذه الأفكار محمد بن المصطفى وهو متجول بين أنحاء هذه المقبرة تأملا وترحما على موتاها،وهو مُخْتَلٍ بطريقة لبقة لدواخله حتى يختبرها أمام الموت والقبر،ويرى درجة تهيئه للحظة مثل هذه...
رفع بصره ما وراء التلة،أرجاء القرية الممتدة بقديم بنائها وجديده .صومعة المسجد الأكبر الجامع . وفي اتجاه منبع المياه ،هناك، الشجرة الظليلة ،(تمالوت) كما يسميها روادها للاستمتاع بظلها.. لكنها عند محمد رمز لتاريخ الأسرة والقرية كذلك.هناك قبر عمه الذي سمع فقط به وعن أخباره من جيل القرية أكثر مما سمعه من أبيه.ابن السيد الذي جعل موته شهادة ميلاد لتسمية جديدة للقرية .مثلما جعل روحه محج زيارة للباحثين عن أرواحهم رغم أهم مُلْبَسُوها أو قل هي مُلْبَسَةٌ بهم.. أكيد أحتاج الى ظلال تمالوت وهدوئها .. هكذا بدأت رغباته الطفولية تنبعث خلال هذه الزيارة من بداية القرن الواحد و العشرين للقرية.
في خروجهم من باب المقبرة باتجاه السيارة من جديد،ها هو جالس بخنشة خيشه،رزمة كبيرة معلقة ومعقودة على عصاه الغليظة التي يجعلها رافعة حمله و هز اثقاله عند هَمِّه بالنهوض والسير والمشي...
ـ من هذا الشخص الجالس بجانب الطريق؟سأل محمد بن المصطفى.
ـ إنه "حموصة" الهبيل كما يسمونه.. لكنه بايْن عليه مجدوب ومعه البركة... أجابه صالح.
ـ ما قصته؟ وما حكايته يا صالح؟
ـ أهل بلدته الذين يعرفونه ويأتون إلى سوق القرية،يحكون عنه الغرائب.
ـ كيف؟
ـ كان حمصوة جالسا على درج دكان،ومر الباشا لصلاة الجمعة بلباس أبيض ومعه الشيخ والمقدمين وبعض الأعيان.. رأى حموصة المقدمين يصرخون ويطردون المتسولين من الطريق... صرخ هو كذلك متهكما: البلاد مشت في حمى الله الكريم..
جاءت الى آذان الوفد الكلمات مستفزة.. تصبّب الباشا عرقا وصرخ في الشيخ: لينفى هذا الهبيل الآن.
قبل التنفيذ لأوامر الباشا،كان حموصة منصرفا باتجاه مخرج البلدة.. وكأنه كان مستعدا لهجرها برزمته...
علق سعيد : أما زال النفي ساريا في بلادنا؟ هو إذا لاجىء سياسي عند الشيخ السيد الله يرحمه.
ابتسم الجميع معاتبا هذا المزاح السياسي،بينما أخرج محمد بن المصطفى ورقة نقدية ناولها ل (حموصة) الذي عَلَّق بصوته الضاحك دائما في الكلام:
ـ الغنى من عند الله الكريم.
ـ لا يمكن لشخص أن ينجو من لسانه.. عقّب صالح قبل أن يدير محرك السيارة باتجاه المنزل.
مع صوت المحرك وتسارع استدارة العجلات،كان محمد بن المصطفى صامتا مع المحيط متكلما من جديد مع دواخله ومحاورا لأفكاره:
قد يكون مرتاحا في فلسفته وصراحته. كم منا لا يستطيع هذا الوضوح مع وجدانه ودواخله. كم منا يعاني الأرق والكبت و الضغط لأنه لم يفجر كلاما او تعبيرا او موقفا رافضا او بوحا.... عله مرتاح مع هبله كما نقول. ليعتبره الناس احمق،هبيل،هذا يعطيه مبررا ليقول ما يشاء وإن كلفه ذلك هذا النفي من بلدته وإزعاج بعض المنفعلين...
متوجها بالكلام إلى سعيد و صالح:
ـ لعله مرتاح في هبله؟
ـ كم من شخص لا يريد العودة من الحمق والجنون.. يجده أفضل له من عالم العقلاء وأسعد.. عَقَّب صالح.. قبل أن يضيف: هذه الليلة صدقة وعشاء عند أهل المرحومة. لابد أن نذهب بعد صلاة العشاء.
ـ إن شاء الله.اللهم ارحم جميع المسلمين و المسلمات.. أجاب محمد.
قبل الخروج من السيارة للدخول الى المنزل،توجه محمد من جديد بالكلام هذه المرة مع سعيد:
ـ تعلم يا سعيد، فلسفة المجدوب عمقية وحكيمة.. حتى السفر له توظيف كبير في تحقيقها.. هم يعيشون فلسفة دون الحاجة لكتابتها ...ولعل هذا فرق بيننا وبين الغرب،هم يكتبون أكثر ،ونحن نمارس ما نومن به اكثر...
ـ أكيد.. أرى أن مثل هذا المجدوب انه لم يكن مجنونا يوما.. لم يرد ان يخادع الآخرين عبر باسلوبه وطريقة حياته لرفضه لواقع ما... وربما حتى السياسي لما يجعله ينتقد،يرى فيه الناس انه احمق لأنه يعرض نفسه لخطر .. والناس عندنا تقول ثلاثة لا تعاشرهم ولا تصاحبهم النار والمخزن....
عند النزول من السيارة،آثر محمد بن المصطفى مع تعب السفر والطريق أن يترك الذهاب الى المسجد حتى آذان صلاة العصر،لأجل صلاة الجماعة والتواصل مع أهل البلدة و الترحم على جده وأبيه.فقبراهما في زاوية وراء المسجد،هي مخصصة لبعض قبور أهل البلدة... أما صلاة الظهر،فسيكتفي بأدائها في المنزل،ما دامت مراسيم الجنازة قد أخذت الساعة وزيادة من الوقت....
استراحة بعد الغذاء واستحضار لذكريات مرتبطة بالقرية وكذا لما يرغب إتمامه من بحث حولها..
ـ استرحت جيدا يا سي محمد؟ ساله صالح،قبل أن يخبره بجديد حموصة..
ـ نعم ،الحمد لله.
ـ تعلم،لقد أتى حموصة بتين طري من بساتين القرية المجاورة ،وتركه لك موصيا بصاحب البذلة البنية الفاتحة .. ويعني أنت.
ـ عجيب أمر حموصة هذا..
ـ قبل أن ينصرف علق: كل شيء من فضل الله الكريم...أزيدك شيئا:معروف عليه أنه إذا أعطيته شيئا تبرعا بحث عن مقابل يعطيه لك.. بعض الأحيان قد تعطيه درهمين ، فيبحث في جيبه ربما يعطيك كل ما يملكه فيه... قال قبل أن ينصرف من باب المنزل ضاحكا: الكرمة بجانب العين والعين بجانب القبر..الله يرحمنا في الكبر والصغر... ـ أكيد سيعاود الحديث معك حينما يلتقيك..
ـ نتمنى حكمة من بركة هذا المجدوب.. علق سي محمد مبتسما.