ـ بالرحب والسعة.علق محمد بن المصطفى مبتسما.ألسنا مجتمعين لأجل التسامح.تفضل،ولو كنا نعرف الايطالية جيدا لطلبنا منك الكلام بها.
ـ في الحقيقة،هذه ثالث تجربة لي في لقاءات دولية.وطبعا،فقد اختلفت آرائي وتطورت كثيرا عن التجربة الاولى،حتى إننا أصبحنا نشكل اتجاها خاصا ولو كان صغيرا في عدده داخل الفاتيكان فيما يخص موضوع التسامح.وما دام تسامحا ،فالكل متسامح معه كتسامح.
أرى ان سبب اللاتسامح هو أولا الجهل بالآخر.سوء الفهم له.رواسب الماضي العالقة في الواقع وفي الاذهان... ولو استطعنا ممارسة هذه العناصر لحققنا التسامح،ولم يعد مجرد شعار للمؤتمرات والملتقيات... التسامح طريق للسلام.اللاتسامح طريق لحرب والعنف والدم،ولو بشكل نسبي. المسيح عليه السلام خلص البشر من الذنوب.تسامح مع الدنيا،فلم يأخذ معه شرا... درس المسيح عندنا يجعلني أبحث عن سلخ الآخر من الشر واللاتسامح داخله،لكي أطهره واجعله في حب وسلام،وأتحمل أنا هذه العملية في التطهير والتصفية.في تعاملي مع الآخر صبر متسامح يذيب جليد الكراهية والحقد.يغسل القلوب حتى لا تجد إلا الحب لأجل الحب لله وللحياة وللإنسانية.وهذا درس المسيحية في التسامح.... أما التجربة التي ما فتئ الانتقاد يوجه إليها،وتدخل ضمن هذا الطرح في محاولة تطهير الآخر،فهي الاعتراف الذاتي بالخطأ ،وبدرجة الجهل التي تؤثر على وعيي وتصرفي... منْ منا يستطيع الاعتراف بأخطائه أمام من أساء إليهم؟ يصل إلى درجة الصدق كأنه في كرسي اعتراف تاريخي؟ قد تكسر هذه الأسئلة أشكال كبرياء وأنانيات،لكنها مفتاح للتسامح الحقيقي.ولعله رسالة أصبحت ملزمة للمومن بها ولو بتحمل أذى معارضيها.. في حواراتي أصبحت أطلب نقد هويتي ومكوناتي.ما هي الأخطاء التي تراها في كنيستي ومسيحيتي؟أراجع،أصحح،أعترف،أغير مواقفي دون أن يجعلني ذلك أفقد ذاتي ومسيحيتي...
الكنسية ليست هي الدين.طيب،أطلب أخطاءها ممن يحاورني حتى نصل إلى درجة تسامح قلبي صافٍ. هكذا تكون ذاتي وعقلي وتواصلي منطلق لتحقيق هذا التطهير وهذا التسامح مثلما فعل المسيح.استسمحكم في صراحتي،فقد ارتاح معها قلبي.شكرا .
ـ شكرا جزيلا لك،الاب انطونيو.في الحقيقة طرحك ثورة معرفية ونفسية للانسانية جمعاء.نتمنى ان تمتلك قلوب العالم أجمع.ولولا انشغالاتي الأكاديمية لانخرطت معك فيها من منطلقاتي في الاهتمام بالتصوف وتجربة المعرفة فيه.
يتدخل جمال بلقاسم:
ـ نحن ضيوفك السيد محمد،ولا زلنا لم نسمع لك فيما يخص موضوع التسامح.هل يجب ان نستسمحك في السؤال عند؟لك ذلك.
ـ عفوا،سأعتبر سؤالك كرما زائدا.أفكاركم نيرة وجميلة.كيف أضيف شيئا عليها قبل أن أتغذى بها.ولكن،إن كان لابد من الإدلاء بفكرة،سأحاول ذلك.واعذروني عليها.
ـ سامحنك آسي محمد.تفضل،علق الأب انطونيو.
ـ في الحقيقة،قبل حضوركم لهذه القاعة بالفندق،كنت أفكر في الورقة التي يمكن تقديمها بطريقة جديدة،تثير تساؤلات جديدة.تضيف مكتسبات لموضوع التسامح الإنساني.وقد وعدتكم أن أجلي هذا التسامح من خلال زيارتنا لعالم أثرية وأماكن بمدينة مراكش وضواحيها.إنما يمكن تقديم هذا على ذاك. سأطرح تساؤلات معكم.ربما نفكر فيها جماعة.فنعمق طرق علاجها مشاكلها. سأطرح ثلاث دوائر ،ولا أريدها أن تكون انقلابا على ملتقى التسامح.بالعكس،من خلالها ربما نقترب من زوايا معالج أمراض النفس الانسانية التي تعرقل تحقيق التسامح بين بني البشر.
دائرة الظلم،دائرة المحبة،دائرة التسامح:
الظلم ـ المحبة ـ التسامح
اخترق المتناقضات في هذه الدوائر بالدائرة الوسطى،وهي دائرة المحبة.انلق من بعد الزهد والتصف وتجربة الحب الالهي.أذوب معكم كل ما اراه فانٍِ،حيث لا يبقى سوى وجه المحبوب.فهل اقابل المحبوب بظلم أو لا تسامح؟ أخلص نفسي من غرائزها الحيوانية،أنقلها بتهذيب إلى رحاب قيم الحب والتسامح والسلم والتعايش... هي تربية على التسامح تتماشى مع أحد محاور هذا الملتقى الدولي حول التسامح... إنما مادام نقاشنا بيننا نحن الثلاثة،أسا~ل نفسي معكم: هل تحقيق التسامح يمكن أن يكون بمحاربة الظلم الحاصل في الذات وفي الموضوع؟ بصيغة أخرى: هل يجب تتبع اشكال الظلم الحاصل ومحاربتها لأجل الوصول الى قلوب متسامحة؟ وهل محاربة الظلم ممكن ان تكون وتقع بلا عنف ولا ظلم مضاد؟ لنا في تجربة غاندي ومانديلا ومارتن لوتر نماذج رائعة.إنما الاسئلة تخصنا نحن الآن،بعد أن أدى هؤلاء رسالاتهم وواجبهم،وينتظرنا واجبنا تجاه الانسانية ومجتمعاتها....أظن أن الأهم في هذه الملتقيات هو طرح مزيد من الاسئلة وتعميق مناقشتها،فهي مفتاح التقدم في موضوع مثل التسامح... لكن اسنحوا لي ان انادي الآن على النادل،إن كانت لديه فكرة تخص زيارة المدينة؟
ـ اذا سمحت،كيف يمكننا تنظيم زيارة لمراكش ورؤية اضرحة سبعة رجال بها؟
ـ عفوا،سأنادي على مرشد سياحي خبير بمراكش معنا في الفندق،يمكنه الاجابة حول الزيارة...
ـ هذا رشيد.وهو مرشد سياحي.. كيف نستطيع تنظيم زيارة لسبعة رجال؟
ـ أول شيء،كم الساعة الآن؟أظن أنها الخامسة بعد الزوال وزيادة.والوقت لا يكفي لزيارة الاضرحة السبعة.انظروا الى خارطة المدينة تحت زجاج الطاولة أمامكم،تلاحظون نجيمات خضراء موزعة على هذه الخارطة الحمراء... انظروا إلى أرقامها،أين هو رقم 1 وما يليه حتى سبعة.. ألا تلاحظون أن 1و 7 يوجدان خارج أسورا المدينة.ُم إن الزيارة في عرف المدينة منظمة ومتبعة هذا الترقيم والترتيب حتى تكون مباركة باعتقاد اصحابها طبعا.انتم كذلك،يمكنكم وضع استنتاج ينضاف للحكمة من هذا الترتيب في الزيارة. أظن يلزمكم الصباح للقيام بهذه الجولة،إلا إذا اردتم الاكتفاء ببعض هذه المواقع.
ـ ما رأيكم؟تساءل محمد بن المصطفى.الملتقى سيفتتح غدا على الساعة الثالثة بعد الزوال.بما إذا بدأنا هذه الجولة باكرا أمكننا إتمامها..
ـ هل يمكن ان ترافقنا سيد رشيد؟تساءل الاب انطونيو طالبا.
ـ بالرحب والسعة،فقط حددوا التوقيت.
ـ الساعة الثامنة صباحا،اقترح جمال بلقاسم.
استسمح محمد بن المصكفى في الانصراف،واقترح اللقاء الساعة الثامنة للعشاء.ربما يكون هناك ضيوف جدد للملتقى.
ـ ماذا لو تسامحنا مع مصاريف الملتقى وخصصناها لمساعدات اجتماعية وانسانية.دائما هناك من هم في حاجة الينا؟تساءل الاب انطونيو مبتسما وملمحا.
ـ فكرة جيدة.لِمَ لا نقترحها على منظمي هذه الملتقيات؟عزز الفكرة جمال
بلقاسم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد العزيز بن المصطفى،الأخ الشقيق لمحمد ،من بين ستة إخوة وأخوات، يتوسطهم محمد.عبد العزيز هو البكر ،أكبرهم سنا. بعد تلقيه لتعليم أولي،حفظ فيه القرآن بعض العلوم الشرعية،خرج للحياة والتجارة.لكنه، شارك كذلك في وعي المقاومة ونضالاتها.. إنما خرج خارج القرية هذه المرة.فقد ساعدته التجارة في أسواق مراكش في بداية الخمسينيات على الاندماج في مجتمعها والزواج من إحدى أسرها... جمعه مع أصهاره روح الوطن ،المغرب الكبير الذي عمت حملة الغضب فيه بعد نفي ملك البلاد.كان ذلك رمزاً لإهانة كبرى للمغاربة المسلمين خصوصا.فقد زعزعت ههويتهم القوية التي هي الانتماء للاسلام،لعقيدة التوحيد،مقابل عقيدة المستعمر التي يرمز لها الصليب الذي انتصب في مجموعة من المدن المغربية فوق كنائس وبأجراس قارعة.... هكذا أصبح عبد العزيز مراكشيا،منتميا لوطنية المدن.
الآن،بعد عُتي عُمُرٍ،أصبح جدا بعد أن زوج ابنه علي بن عبد العزيز بن المصطفى بن الشيخ السيد، علي بن الشيخ اختصارا كما يفضل مناداته افتخارا بالانتماء للشيخ السيد حكيم زمانه والأب الروحي لمنطقته،والموجه لمقاومة قوية اندلعت شراراتها في كل أنحاء البلاد استجابة لرسالته الجهادية....
هذا المساء،تخلف السيد محمد عن موعد العشاء بالفندق.اعتذر بالهاتف ووعد بالالتحاق بمجرد ما ينتهي من التزامات شخصية.... واجب الزيارة العائلية ومشاركتها انشغالاتها وأجوائها...
في جلسة شاي وعشاء ،تداخل الترحاب بالشكوى.فابن علي قرر الزواج من أجنبية تعرف عليها كسائحة بمراكش.سعيد بن علي تاجر كذلك.له دكان بالقيسارية المجاورة لساحة جامع الفنا.بائع الألبسة التقليدية ،والذي تلقى تعليما جامعيا،لكنه لم يسعفه ولم يساعده على مواصلة الدراسة ،ولا حتى الحصول على وظيفة،خصوصا وان ميوله كانت للتجارة منذ الصغر مع جده،ثم مع ابيه،إلى أن استقل بمشروعه التجاري بنفس القيسارية التي اختبر فيها المعاملات التجارية والمالية في دكان أبيه...
ـ ابن أخيك،يريد ابنه أن يتزوج بأجنبية.ولا أريد لأحفادي تربية غير إسلامية.
ـ هل أتى عندك سعيد لأجل هذا الموضوع؟تساءل محمد.
ـ لا يستطيع مواجهتي بمثل هذا الموضوع.هو يعلم رفضي المسبق ورأيي في هذا الموضوع.لقد تكلمت في المسجد مع العربي الصنهاجي مفتش التربية الاسلامية وإمام المسجد،فكان رايه هو أن هذا الزواج محرم ومرفوض... ما رأيك يا سي محمد؟
ـ في الحقيقة، لا يمكنني قول شيء.سعيد عنده وجهات نظر خاصة.ولا بد من مناقشتها معه بالتي هي أحسن.لا يمكننا الحكم على اختياره هذا الآن... أما رأي الفقيه الصنهاجي ففيه خلاف فقهي كبير،ليس من عمل جميع المسلمين.لذلك المسألة متعلقة بالمصلحة ومدى موافقتها للشريعة الاسلامية.طيب،اترك هذه المسالة حتى أناقشها مع سعيد
....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من بين مداخلات اليوم الأول للملتقى ما ضمنه في آلة التسجيل الصوتية الصغيرة التي حملها معه.ذلك أن محمد بن المصطفى يؤمن بأن نطق الكلمة دلالة الى جانب دلالة لفظ الكلمة،سياق بنبرات خاصة.باحث كندي بحلة بوذية شرقية.دعوة إلى دين جديد لايلغي الأديان،بل يكون دستورها المشترك.ما أعطى للشرعية لفكرته هو سؤاله الذي كرره مع تجوال بصره حول حضور القاعة: ـ لماذا نحن مجتمعون هنا؟ لماذا التقينا الآن في هذه القاعة؟ ما القاسم المشترك الذي يبحث عنه؟ إنه دين جديد لا يلغي الأديان،لا يحارب المعتقدات الخاصة،بالعكس يحترمها كما يحترم الحرية الشخصية لكل منا. إنما لنا عالم واحد،حياة واحدة مشتركة بين الأفراد والشعوب هي التي جمعتنا في مدينة مراكش في بداية هذه الألفية الجديدة.الدين الجديد دستور مشترك،متوافق عليه.مصفاة عقولنا وقلوبنا،ضمائرنا ومشاعرنا.بنية هذا الدستور قيم عليا سامية خالصة. من منا يرفض : التسامح ـ التعايش ـ السلام ـ المحبة ـ العدالة... لاحظوا،هذه قيم عالمية تحتاج إلى تقديس أخلاقي وتوجيه تربوي سواء في كنيسة أو مسجد أو دير.. في جامعة أو زاوية صوفية... هي ما نحتاجه،دستور جديد.لا تسموه دينا رفعا للحرج.هو إعلان عالمي جديد مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.وربما أفضل،مواكبة للتطور الإنساني.أظن أن التربية على التسامح تحتاج لهذا الدستور الأخلاقي داخل مدارسنا من أجل أطفال اليوم والغد،من أجل الإنسانية... شكرا على تسامحكم وحسن استماعكم.
ابتسم محمد بن المصطفى حين معاودته سماع هذه المداخلة.أمام جهاز حاسوبه على الساعة الحادية عشرة ليلا،من شرفة غرفته المطلة على حديقة النخيل المجاورة للفندق، ساءل نفسه عما يمكن استثماره من هذه المداخلة.تفكر رحلته إلى الهند والصين.نظير هذه الأفكار في فلسفات وطقوس آسيا... سر القوة الروحية في البوذية والطاوية وغيرهما... مدى التلاقي مع معتقداته الإسلامية... تريثه في الاستنتاج،لأنه يعلم أن العبارة قد لا تناسب الدلالة،أن الفكرة قد تكون صائبة،لكن أسلوب تصريفها هو الذي يحتاج إلى تببيء وملاءمة.كوصفة الطعام التي تحتاج إلى مقادير توابل مناسبة لذوق كل واحد منا.إنما هو غذاء غذاء،طعام طعام، توابل توابل....تذكر النبات الذي إذا قللت منه كان مفيدا في معالجة الإسهال، وإذا أكثر منه تسبب في الإسهال.... تشبيه عابر لم يرقه في الاستعمال الموضوعي... هي قيم واحدة إذاً،لكن ما العائق في تعميمها وعولمتها...؟
كيف يستطيع الفكر الشرقي أن يمتلك هذه القوة الأخلاقية والروحية والحقائقية؟لماذا تحضر فيه النتيجة وتغيب الوسيلة؟أو تبقى هذه الوسيلة مجهولة حدسية تأملية غير واضحة ولا مفسرة كطقوس صلاة مبهمة؟هل رغبة الإنسان في القفز على الحياة الفانية والخلود في عالم الكمال والحقيقة المطلقة..؟ هل المعادلة هروب من الظلم إلى السماء الرحيمة أم محاربة الظلم وعودة إلى الأرض؟ بين المثال ـ السماء والواقع ـ الأرض، أي موضع لمعادلة نشر التسامح بمحاربة الظلم؟ ربما ليس هذا مدخلا مناسبا لاقتراح أفكار حول التربية على التسامح.إنما هي أفكار حاضرة مشتغلة في الذهن.ربما هي سياسة التفكير التي تأخذ بعين الاعتبار سلطات إصدار القرار وتأثيرها على واقع حياة المجتمعات الإنسانية... ربما.
بحث إجرائي تلقائي على صفحات غوغل،قبل الخلود إلى النوم.اسم ورد كإحالة في المداخلة المسجلة التي عاود الإنصات لها هذه الليلة.رغم انه سبق له التعرف عليه ودراسته والقراءة له،لكن هذه الليلة ربما هي قراءة جديدة من زاوية جديدة تحكمها ظروف ولحظة التفكير سياقها:bohm(wholness and the implicate order).
جعل نتيجة البحث بين الملفات المفضلة في الحاسوب حتى يعود إليها بتفصيل،ثم بحث عن اسم آخر:bahm( comparativ philosophy).
حتى غد إن شاء الله.هكذا نزع نظارتيه وأطفأ جهاز الحاسوب وتسلل داخل سريره وإزاره.