


تتخذ حكاية الجسد تناولات عدة منذ بدائيات الوجود الانساني ، والتعبير الجمالي و الفني ... بين الارتباط الواقعي والحلم المثالي ، سافر الجسد في الشكل للتعبير عن احتمالات الوجود... شكّل الآدمي ، كما الملائكي و الشيطاني والجني ...ـ مازج السوريالي ، مقتفيا أثر الحكايات ، فكانت الحورية ، و كان الكروبيم النصف حيواني و النصف بشري...
تشكلات عدة إذاً، ترجمها التعبير عن الجسد ، وتمظهرات كثيرة رافقتها اللغة بالوصف و التصوير ... وقامت اللوحة بعكسها في بعد الممكن الفني ، فخلدت لنا ما استطاعت من وجوه و هيئات جسدية ، لابسة أو عارية ...
يتساءل الواحد منا عن سر هذا العري المتخذ في اللوحة كما في القصيدة أو النص الإثاري... ويعرف أن البحث عن الحقيقة يكون بالخروج من إطار الاقنعة ، وأن الحرية المفقودة أو المحرومة التي أخذت القلم أو الريشة ، وقامت بالخط و المزج بين الصور أو الألوان، تأبى هذه الحرية إلا أن تجسد الطبيعة للاشياء ، والواقع ، والمشاعر الدفينة ، والرغبات السافرة المعبرة عن حقيقتها ... يستفز الابداع الثقافة ، ينزع عنها الاقنعة ، ويفك عنها الاغلال و القيود ، و يكسر جدار الصمت الذي أطبقه التاريخ المتواطؤ عليه ، كما يذيب جليد الخوف من اجل الاختراق و الكشف عن المجهول ، خارج الدائرة المرسومة و الرقابة المفروضة و المقدسات الموضوعة وخنادق العذاب المتوعد بها أو فواكه الواحات و جنات عدن الموعود بها في رحلة سراب الحياة ... هذه التي تؤرق الفنان و المبدع بنسبيتها ، و تنزع الاطمئنان الوجودي من راحته النفسية ، وتتسبب في سهاده و ارقه ، وجنون قلمه الذي لا يريد الاستكانة لقواعد لغوية او اجتماعية أو اخلاقية ، يعلم أنها نسبية خادعة ، تغطي كَسورٍ ، جدارَ غابة من الفضح أو النضح أو الوضح...
العري الجسدي اشتغالات المذاهب الفلسفية والفنية و النفسية وغيرها من الاتجاهات ... العري الجسدي ثقافة ذهبت لخلق دوائر تحقيقها و عيشها ، في شواطىء أو داخل منازل ، أو في سلوكات فردية جريئة و شجاعة...ـ
العري الجسدي ، مجموعة من الرموز المتبعة في تحايل مع ثقافة اللباس ... هذا الاخير الذي ارتبط بورقة التوت الاولى ، وصدمة الاخلاق التي حجبت الاعضاء و الوظائف الجنسية عن السفور ... و من تم ، كانت البدايات في حجب أجزاء و أطراف و هيئات من الجسد ، تعقدت تعقد الحياة الاجتماعية و مناخها التربوي و الاخلاقي و الثقافي الذي تشكل عموما ... كما أصبحت كضرورة بيئية متأقلمة مع ظروف المناخ و الصحة و المرض وغيرها ...
استمر هذا الحجب و الغطاء إلى أن أصبح رمزا لباسيا معبرا عن ثقافات و شعوب و عادات ... ودخل في تنميط جنسي كما طبقي أو عمري أو مهني أو احتفالي أو فصلي ... كما دخل كذلك في تنميط يميز بين الرجل و المرأة ، فكان وقعه على مجتمعاتنا متخذا طابعا مميزا ، أثار تساؤلات الدراسات حول السلوكات المعاصرة عندنا ...اصطدم بمرآة الثقافة اللبرالية المعاصرة ، وتحررها الاخلاقي ، فأعطانا في واقعنا اليومي ، تمازجا في اللوحة بين أشكال متناقضة بين الضمور وراء ثوب أو السفور ... بين الاحتفال بهيئات الجسد في مجمل تشكلاتها و بمختلف أحجامها ، وبين لعبة التخفي عن الظهور و الاحتفاظ باسرار الإثارة التي تعتبر شمسا غائبة تبحث الغرائز عن نورها لتنبعث الحياة فيها ، وتسلك طريقها لأجل تحقيقها ، كحق طبيعي يتقاطع مع الحيواني فينا و في غيرنا من المخلوقات ... ـ
نأتي للحديث هنا عن شكل اللباس المتخذ اليوم ، والذي جعل فئة عريضة منا تذهب لحد الالتصاق به ، كأنه كشف جديد لعالم أولي ... ولحد تشكيله رمزيا بين فتحات من ثوب و من جسد عاري .. يوم كان الكل ظاهرا ، واضحا ، سافرا ...يكسر هذا اللباس اليوم كل المعايير الاخلاقية التي حرمت السفور ، وجعلت العيب في الظهور ... كل الاحكام الذوقية التي ميزت في الطبيعة بين النحافة و السمنة ، فجعلت الوصف المقبول و الآخر المنفور منه ... الجسد طبيعة ، وكم من مرة تُدووِل الشعار والحكمة أو بيت القصيد (للناس فيما يعشقون مذاهب) ... جليد الجدار الثقافي الاجتماعي التقليدي ذاب و انكسر ، مع هذه الثورة على المثيرات الجنسية الغرائزية .. لم يعد التلصص على فتحات الجسد حدثا مهيجا بامتياز ... أصبحت العودة الى الطبيعة ، إلى العري الطبيعي ، إلى طبيعة العري ، شيئا عاديا أو سلوكا في الشارع يدعوك لثقافة أخرى في الاثارة فوق هذه التي هي ممارسة الآن ... كما يدعوك لقتل الكبت الذي يخلقه الستر و الاخفاء ، فيصبح الفضول الانساني محققا للرؤيا ، فلا ينتج عنه ضغط طمر لحقيقة ما متعلقة بالجسد عموما ...
تعتبر المرحلة الثقافية الراهنة داخل مجتمعاتنا ، مرحلة انتقالية و خطيرة ، بين نقيضين ، أو نقائض متعددة ... نظرا لتَرَكُّبِ الهويات الآن ، ولعمليات التثاقف السريعة ، ولهذه العولمة التي سارعت في اعادة تشكيل الجسد البشري بطبيعة جديدة ، وبثقافة جديدة وعري جديد ... وبرغم الاحكام الاخلاقية المتناقضة ، وردات الفعل ، تبقى الظاهرة مجال اهتمام و تساؤل جذري في حقيقة سلوك الانسان ، بين الطبيعة و الثقافة ، أي ثقافة يجاريها ؟ أي طبيعة يبحث عنها ؟
عود على بدء ، كانت إثارة الموضوع ، تفاعلا مع لوحة مرسومة ، تعرض في تفاعل بين اللونين ، الأبيض و الاسود : شكل امرأة مكومة داخل إزارها التقليدي الفضفاض ... هي ضامة أطرافها في احتضان جسدها ، جلوسا ، مطاطأة الرأس ، متكئة على كتفها ، لا يظهر منها إلا ملامح وجوانب جسدها ، خانها بدنها في سمنته ، في تبيان تموجاته و هندسته المكورة ، حتى أصبحت متخيلة كامرأة ، مثارة كموضوع تحقق ، مغيبة كإنسان ... في حين ، هي في الشارع نازعة لستائر الزمان الثقافي الذي لا زال متوعدا بحجبها و نقابها و لثامها وإسدال المشهد لها أو عنها ...
لا زالت الصورة النمطية التي استغلت تغييبها عن تجربة الحياة المعيشة الواقعية الخارجية ، والتي حرمتها من اشكال وعي وتعلم وثقافة عالمة ،لا زالت هي المهيمنة في مجتمعات تسود فيه الامية والجهل ، والادوار التقيليدية القروسطية ، بشكل تراجعي يريد استنزاف التطور والعودة الى عنان التحكم المقتص من كل تحرر... وتلك حكاية التاريخ القهقرى!ـ