Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 9

أقفاص 9

أقفاص 9
أقفاص 9

 

تأتيه نادية بخبر سار مرتبط بطلب مزيد من قصة النورس و عمران. يتشوق القارئون لمعرفة المزيد عن هذه العلاقة الغرائبية القائمة بين الحيوان و الإنسان. يضحك عمران بمرارة لم تم طلبه. يتأمل بحسرة الكلام في ذهنه و يبتسم ابتسامته الجامدة و التي لا تختزن الأسى النفسي لصاحبها في الدخل. يجعل عينيه توقعان نقطة ضوء فوق الأرض فلا يرفعهما إلى أدبا لمحاوره و كأنه الخجول المستحيي من النظر للآخرين.

تلك القاعة التي جعلته في زاوية منها جالسا أمام زائرته المعتادة، استطاع خلالها أن يألف صورتها و صوتها، و أن يلامس يديها و أناملها و يسمع لتأوهاتها الأنثوية الجائشة و المطالبة بشيء أكثر في نبرتها المتوسلة. ترتسم في مخيلته حينما تنتهي الزيارة صورة نادية. تنطفئ أنوار الزنازنة و بعض الممرات فلا يبقى إلا ضوء خافت بعيد وراء الأبواب الموصدة من حديد و بالحديد و الأقفال، و لا تبقى من ألوان سوى صورتها الممتزجة بصوتها و رائحة عطرها و لباسها الذي يشكل هيأتها.

يرى فيما يراه غير النائم أن عينه اليسرى ترتعش و الأخرى تنعم لما ترى. يحملق في الظلام بالأولى فتأخذ تنهيدة و زفير. ماذا ينتظر الناس من قصته و التي اهداها للنورس تحية لحرية تحليقه؟ ما الذي يجب النظر إليه أولا؟ واقعه أم غرائبية القصة القائمة بين الاثنين؟و ما الذي له قيمة الحيوان أم الإنسان؟

في لحظات متفرقة و متعددة كان يتخيل الناس و قد وقفوا كلهم أما بوابة السجن مطالبين بإطلاق سراح عمران و من معه. في مرافعة عدالة اجتماعية و إنسانية فوق العدالة المسماة سياسية. يرسم بسبابته شكل شفة عبوسة مقوسة إلى أعلى. يضحك من قلبه و بقلبه. يسمع همهمات و تساؤلات: ماذا هناك؟ نكتة جديدة للسجناء؟

لا يجيب جيرانه الآخرين. يضع كفيه على الحائط. ينتظر تعرقهما حتى يتبلل الإسمنت بصبابة طاقته و حرارته. و فجاة يُسمِع من يتساءل:

ـ أنا البدائي. أصبحتُ أنقش على الجدران مثلما ينقش هو على الصخور و داخل الكهوف. هاهاها...

ـ نمْ يا عمرانْ يا وليدي. اليوم خمر و غدا أمر.

ـ أين هو العمر يا حكيم بينهما؟

للغد يأخذ قلم الرصاص و ورقة جديدة و يخط مسلسل القصة. ما داموا قد طلبوا الغرائبي داخل غرائبيتهم سأجعلها احتفالية تراجيدية:

يقف حارسان أمام باب زنزانته. يأمرانه بالاستعداد لزيارة مكتب السيد المدير. يدخل مستقيما و رافع رأسه، فقد تعلّم أن يحافظ كحد ادنى على جعل رأسه مرفوعا و منتصبا. وصلته فيما مضى القصيدة و الأغنية. لم يُسمَح له بالجلوس مباشرة. حيا الطرفين في المكتب، السيد المدير و ضيفه الجالس فوق كرسي و المتناول لكأس شاي ساخن. يسأله المدير:

ـ هل فعلا نشرت قصتك في إحدى الجرائد اليومية؟

ـ لا علم لي بنشرها. هي حكاية حكيتُها فقط.

ـ معي السيد مسؤول التحقيقات العامة، يريد أن يسألك بعض أسئلة، و أرجو ان تكون متعاونا معه في الإجابة عنها. تفضّل بالجلوس  فوق ذلك الكرسي هناك.

كانت مسافة كافية بثلاثة أمتار تقريبا. و كان كرسيه من جلد ناعم و مريح وكرسيّي أنا من خشب  بارد. جلست واضعا مرفقي فوق ركبتي و صدري منتصبٌ، رافعا الرأس إلى أعلى ـ فقد تعلّمت من النورس كذل نظرته إلى البعيد من الآفاق.

ـ سيد عمران بن يوسف. سأبدأ معك الحديث عن الحمام الزاجل. هل تعرفه؟

ـ نعم.

ـ له غريزة حب لموطنه و وطنه. لا أدري هل هي موجودة عندك.

ـ لذلك أنا هنا معكم الآن.

ـ طيب. ما من مشكلة في هذا الجواب. تعلم أن هذا الحمام يستطيع العودة إلى موطنه مهما بعُدت المسافات. و لذلك استعمله الإنسان منذ القدم من أجل نقل الرسائل. الدراسة العلمية تشير إلى كونه يمتلك قدرة طبيعية تساعده بالشم أو بطاقة مغناطيسية من أجل رسم خارطة إياب لمكان انطلاقته الأولى. لا أدري إن كانت لدى النوارس هذه القدرة.

ـ علمي علمك سيدي.

ـ من خلال ما قرأتُه في القصة أن النورس دنا منك و أسقط أمامك سمكة سردين وعرج محلقا. بين الحقيقة و الخيال كانت قصتك واقعا اما شهود عيان من الحراس و السجناء. لذلك أسألك و أريد منك صراحة في حوارنا هذا. ماذا حمَل لك النورس كرسالة؟ هل كانت السمكة محشوة بشيء ما؟

ـ سيدي  المسؤول. النورس ليس هو الحمام. ربما كان شبعانا و أشفق على حال جلستي و تقوّس ظهري فيها فأراد أن يطعمني بما ينعش هذا الجسد المنهك بالرطوبة و البرودة. بحسب إفادة طبيب مقيم معنا في الجناح باء، و الذي نتشرف بالالتقاء معه في ساحة هذه الإقامة فإن السردين قليل الدهن و يحتوي على البروتينات و الفسفور و الكالسيوم و الصديوم و فيتامين ب 6...

ربما رأى النورس أو شمّ رائحة السمك المعلب الذي نتناوله في بعض وجباتنا فأشفق علينا و رأى ضرورة تذكيرنا بفوائد السردين.

ـ طيب. أشير فقط إلى أنه إذا تكررت المسألة و ضبط فيها أي نوع من اختراق قانون السجن فإنك ستتحمل كل المسؤوليات المترتبة عن ذلك. شكرا لك على سماعك لتوجيهاتنا. إلى اللقاء.

ماذا سأفعل في حصتي الصباحية داخل بهو الساحة؟ ماذا لو عاد النورس بشيء جديد و وهبه لي؟ هل سأؤدي ثمن أية مفاجأة؟ و لماذا لا يؤديها النورس بدلي؟

...