Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 7

أقفاص 7

أقفاص 7
أقفاص 7

ما أدركه من الزمن و التاريخ، هذان اللذان عشتهما فردا وترا و جماعة، حياة حرية في الخارج، و اعتقال وراء القضبان. هذه حقيقة مادية يقين تام. أعيشها بوعيي الذي يفصل بين الحق و الباطل. لكن ما بينهما حياة خيال أخلقها و أبدعها حتى أصفُوَ فوق هذا الحال. قد أكلم الأشياء. قد أتنبّأ بوقع الخطوات أو بالظل الذي يستبق صاحبه أو  بتأويل ما وراء الخطاب.

كنت أردد قصائد أعتبرها دستور نفسي الداخلية. أنظم بها مجالات لاوعيي حتى أُعيد توازنا منشودا. كانت بياناتي الخالدة التي أقرؤها على مسمع الكل. وأُضيف:

تحتاجون إلى كائنات ملائكية؟

إليكم المهدي و سعيدة.

و كل من مات على قضية.

أما الأحياء

فانتظروا ساعة تحين.

علّهم قديسين

و علّهم باعوا نبتة الصبر مقابل أصفاد ترويض.

نهاية الثمانينات و أنا حاصل على شهادة إجازة. أخيرا اعترفوا بنا كمعتقلين سياسيين و أصبحنا نسمع بسنوات الرصاص و كأنها إنشاء للتحرير من أجل الحصول على نقطة جديدة و ملاحظة حسنة من المعلِّم. أيّ رمز لهذا المعلم؟

تابعت قضايا الاعتقال. تقارير أفادنا بها من التقيناهم من معتقلين و محتجزين. واكبنا درجات الصمود على المواقف السياسية و الاختيارات الجديدة فيها. جلدنا أنفسنا بالنقد الذاتي و كأن سياط الجلاد المادية ما تكفي   لأجسادنا و أرواحنا. كان لزاما علينا أن نجدد الحياة بهذا الصراخ الداخلي و هذه الجدلية التواصلية بيننا كرفاق داخل السجون. ننتظر ممن في الخارج السمو بالنضال لكي يبرهنوا لنا على نجاحهم و على صدقهم بالأساس. و كأننا نريد من الكل أن يكون معتقلا و نترك الجلاد بمفرده يمسك بالسياط فلا يجد من يجلد في الشوارع و لا على من يتجسس في البيوت. حوّلنا العالم إلى مائدة مستديرة نجلس من أجل تشريحها و إعادة وصفاتها و تركيباتها و مساراتها في أحشاء التاريخ. كانت ثقافتنا الجامعية في السبعينيات يوما بألف عام. أدركت من خلالها قيمة ليلة القدر في أن تكون خيرا من ألف شهر. بفضل الحارس عبدالله أصبح النص الديني رفيقي الروحي و الصديق. على الأقل هناك هذا المشترك بيننا و هو الرغبة في تحرير الإنسان من أغلال. هو يبحث عن الأغلال الروحية و أنا أبحث عن الغلال المادية. هو يتهمني بالكفر بمعتقداته و أن أتهمه بنكران حق الكادحين، بتأجيل طلباتهم إلى ما بعد الموت. لكن قضايانا عادلة في نهاية المطاف. و الجدل اكتمال بعد صراع. أدحرج صحنيَ الأبيض المقعر داخل زنزانتي فيوقع أصواتا مختلفة و ذات صدى سمفوني لهذا الإسمنت الذي يحتضنني. أجعله كرة ألاعبها و أحاورها. عنصرا و سببا في المشاكل و في التسبب بما سيأتي منها سواء من جيارني أو من الحراس الذي يتوعدون و يسخطون و ينهرون. و كانت احتفالياتي بهذه القضايا المتجددة على الأقل، أستشعرها و أعيها أتفاعل معها ماديا. لا يمكن لليوم أن يمر رتيبا. اعتبر ذلك موتا مقاطعا من الحياة. كفانا موتا و إقبارا.  سنعيش أفضل منهم.

في سنة 1991م،  بورك لنا بتهنئة الإفراج عنا كمجموعة منضبطة و ملتزمة بما تم الاتفاق عليه. في ربط الأسباب بالمسببات المحددة. في اختصار عبارات التحليل. في طيّ الصفحة و اعتبار المرحلة الجدية و الوطن الجديد. لم أر قبلها وفاء.  لكن التي كانت تزورني مع بعض الرفاق صديقتها في الدراسة الجامعية نادية. ثلاث سنوات كانت هي زهرة الربيع التي أستنشق  من خلالها عبق العطور و أغوص في تلاوين الجسد الأنثوي الحقيقي.

نادية التي كانت مرسولتي و منسقة علاقاتي و ارتباطاتي الخارجية، جعلتني أصبح الطفل المدلل الذي لم ينعم بدلال في طفولته،، فكانت تعوّضني عن شتى حرمان و تخفف عني شتى آلام. إنها الملاك الذي بعثه لي القدر و إن كنت بعقلي لا أفهم متغيرات المواقف و مصير العلاقات الإنسانية.

في خارج أسوار السجن كانت صورتها ترتبط على صفحات الجرائد و في الحوارات و التقارير الصحفية   بالحديث عن عمران بن يوسف هذا القابع في سجن مركزي ضيفا على ظلال النوارس.

في إحدى الصباحات المشمسة التي أصبحنا ننعم بطاقته و فيتامينتها داخل  ساحة السجن، كنت أمارس جنوني المرتبط بجلسة التأمل و اليوغا. كانت الجماعة تتفاعل مع المسألة بنوع من المزاح كما بنوع من الإمتاع و المؤانسة. و طبعا تدرّج قُبول ما أقوم به من شجب و إنكار، لكونها طقوس روحانية بعيدة عن الواقعية و المادية الجدلية التي تبني و تضبط  عناصر الحياة و الفعل و القوة و التغيير. و انتقلت درجات التقبل في جعلها اقتطاع لحق في التصرف الفردي الاستثنائي في ظرف الاعتقال. و قد خلق الأمر نقاشا ارتبط بإيديولوجيات و فلسفات... لكنني حينما كتبت عن التجربة قصة قصيرة و عملت نادية على نشرها بالجريدة التي تعمل بها كصحافية، تحوّل اعتبارها إلى طقوس أديب و مناخ كتابة تسبقها لحظات جنون خاصة... تابعت تغطية و مناقشة كل هذا و ذاك، و اعتبرته استفزازا لمزيد من التفاعل في قضايا و لو مفترضة، و لو مفتعلة، لكن الأساسي فيها عندي كان أن نحافظ على نبض الحياة، تلك التي يتفقدها من وضعونا بين هذه الجدران و الأسوار.

مرّت عشر دقائق على جلستي المتربّعة في زاوية من الساحة المربعة. ولّيتُ ظهري خلالها للشمس فكنت أدرك الشرق من الغرب. أتلفّح بأشعتها تضميدا لضلوعي التي أنهكتها الرطوبة. كانت الزاوية دون تلك التي يعترشها برج المراقبة.

تحلّق النوارس فوق سمائنا المحدودة المجال. تسترق  وقع خطواتنا و حركاتنا و روائحنا ربما. كنا نشبهها في ألوانها. فقط أن اللون الرمادي كان يقوم بغزونا متدرجا كأنه يقودنا إلى موت بطيء، بينما لونها يبعثها لمعانقة السماء و التحليق. قد تقف على حافة الأسوار متجسسة و مطلِعة. لا يلومها الحراس على ذلك الفعل. قد تنزل في لعبة ملء الفراغ في الساحة بينها و بين هذا البشر. قد تعلمنا كيفية الحرص على القوت و الخوف من ضياعه أو سرقته. فكانت تسرق بعضه فتبعث فينا السخرية من ذواتنا و ضعفنا. كنا نواسي الضحية و نخفف عليه بالقضية الأكبر و السرقة الأكبر. كنا نسيّس العلاقة مع النوارس.

لكن ذلك الصباح ذكّر الرفاق بقصص الأنبياء و تسخيرها الحيوانات لخدمة البشر. أصبحتُ أنا النبي سليما و النبي إبراهيم و قسْ على ذلك معجزات. انتقلتُ بعد العشر دقائق الأولى لأقابل أشعة الشمس حتى تتلحّف بها صفحة وجهي. أغمض عينيّ و قد أفتح إحداهما تبصّرا للمجال. يدايَ ثابتتان فوق ركبتَيَّ، رأسي مطأطأ، و التعليقات ما تنفك ساخرة و مرافقة لمسمعي. أختبر التحدي و المقاومة بين الابتسامة و التجاهل. و أؤجل الرد بعد وجبة الاستحمام هاته.

بعد مرور أربع دقائق أدركتُ أن أشعة الشمس يحجبها شيء ما. أتمايل برأسي يمينا و شمالا فيتمايل معي الظل مرافقا. كنت أريد أن أن أكتشف سر ذلك و انا مغمض العينين، ربما شيء فوق مادي خارق للعادة يقع في طقسي الصباحي هذا. لاحظ البعض تمايلي. علّق آخر: أصبحت في جذبة  صوفية. فتحتُ عينيّ اليسرى بالكاد مواجها قرص الشمس فلاحظت أن نورسا يقف فوق السور مسهما نظره تجاهي و قافزا في تراقص مع حركة رأسي و الغريب العجيب أنه ماسك لسمكة سردين في منقاره... بعد هنيهة و تلويحة خفيفة بأصابعي دون معصمي الثابت فوق ركبتي  رفرف بجناحيه و فطفط و اقترب قاب مسافة أو أدنى فألقى السمكة أمام جلستي و عرج مزقزقا و متوجا إلى السماء و كأنه يريد أن يطلّ علي من أعلى و يرسل رسالته الآمرة في تقبل القربان الموهوب.

لحظتها اتحد الحراس و المحروسين في تعابير اندهاش واحدة و ابتسامات مشتركة واحدة. لحظتها اكتشفت أن جمال الحياة و سرّها هو لنا جميعا، يكفي أن يزيح الأبراج و نهدم الأسوار و نجعل الأرض عرض السماء في  الحب و الحياة والعطاء.

نُشِرت القصة في ملحق ثقافي لجريدة اشتغال نادية. حملتْ عنوان ( النورس وعمران ). كانت بداية بلية الكتابة و النشر. على الأقل كسّرت سياج قفاص من الأقفاص. حرّرتُ خيالي و عقلي و قلمي و بوحي. و تلك بداية واعدة.