Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
أقفاص 2

أقفاص 2

أقفاص 2

في الاستحمام بقي صوت النورس ينقش المسمع مسجلا كائنات جديدة و عالما جديدا. انضافت رائحة الصابون المعطر الجديد عليه. قشعريرة أبدت تنمّل المسام بشكل غريب لم يعهده منذ مدة.

رشاش قوّي في دفعاته التي اغتسل معها الجسد من طبقات سميكة كانت قد حوّلته إلى صفة خشبية غير آدمية. و كان للذاكرة أن استحضرت اسم وفاء و كأن الأنثى في كف يعادل الكون في قضاياه. كان لذلك العطر علاقة. ربما كان متلبّسا مع وفاء في ورطة التذكر. و كأنه يغسل وجهها في المرآة فيتجلى أكثر و يضيء أكثر. بدت له ملاح حسنها و ابتسامتها الجامدة التي لا تبدي معها تعابير.

ابتسم لحضور الضيفة الجديدة. تذكر سكناه بالحي الجامعي. تذكر حياته الطلابية. بدأت طبول الماضي تدق مستنفرة الوعي. لابد لك أن تستسجمع قوى التذكر. ستحتاج لمواجهة هذا الحاضر الجديد. حدس لم يخذله  حتى في سنواته العجاف. الحمد لله أن شلال الدوش رسم لوحة وفاء. هي جنة إذن. ماثلة في زاوية من روحه. مستغربة من ذاته. خالقة الخيال و الأسطورة، و مزاحمة لمنطق وعيه و قدره الذي يريد دائما أن يرسمه بما يشاء من فناء أو وجود. أنت الطالبة الجبلية و المنحدرة من جبل. أنا ذاك الطالب المنحدر من جبل النار. كانت رؤيتك جليدا جامدا محتفظا بسكون النظر محافظا على مسافة من جنون البشر. كنت طائر النار الذي ينقش بصوته منحدرات خديك فيحوّلها إلى تورّد مشتهى. كنت الجاني للرمانتين حينما حان قطافهما. و كان القطاف جنيا حلالا في كل الشرائع. و كانت شريعتي حبيبتي فوق كل الشرائع.

حرّرتك من أغلال الثقافة الإنسانية. على الأقل عشت معي مدينتي المثالية. كانت مدينتنا مخالفة لسحر أفلاطون. كنا نبنيها و نحميها بكلماتنا و حواسنا و بدمنا أكثر و أكبر. انتظم العالم داخلها فكان للشعوب داخلها دروبها و شوارعها، و كان لكل شهيد سكن خالد في قلب نبضها. و كنت ملكة عرشي الذي تتوجت به في حضنك.

بنينا مشاهد التغيير في علاقتنا، و كنت دائما تخذلينها بأحلام مجتمعية و مؤسساتية. تتهمينني بالمثالية الخرافية حينما تسنح لك الفرصة بذلك. تنتهزين لحظات المزاح لكي تلقي بخطاب الجد المرفوض في فؤاد مدينتي. كان المنعرج يفرق طريقينا. من منا كان على صواب؟ أينك الآن يا وفاء؟ أ تراك ما تازلين في انتظار هذا الطائر؟ طائر النار؟ أتراك جبل جليد عاد لشموخه الأبيض في انتظار بركاننا؟

العينان عسليتان. الشعر منسدل في حمرته. الجسد بض في بياضه المحمر فورة و دما. الجرأة بادية في الرغبة في الانسلاخ من كل الأثواب القديمة. القبلة عندك تعرية من كل ألوان و كل مرايا و كل صحف التاريخ التي صاغتها ألسنة البشر و حرستها أعين الفقهاء و جعلت عليها الحد سياط الجلادين. و ما يزال في نظرك مزيد من تحدٍّ. تسارع شريط صورك مع تسارع صبيب الماء المعتدل الذي  يهبه هذا الدوش.

كانت خيانتي لك في بعض الأحيان مع امرأة العزيز، و كنت أطلب الاعتذار منك كل حين فأخصّص لك حفلك وحدك. أكلّله بقصيدة تجمعنا في درب النار ثم نرتمي أنا و أنت في نهر من جليد في استراحة محاربين من لجج براكين.

انتهى الدوش و اكتملت حصته مع صوت الحارس الجديد الذي لا يحمل كتوقيع سوى كلماته النابية التي قد تكون جميلة في انتمائها لشروط أسر جديدة. و هل هو أسرٌ؟ ابتسم عمران لسؤاله. كما لاستحضار اسمه في هذا الهذيان و هذا الحكي.

الزنازن الجديدة بيضاء. أبوابها كذلك بيضاء. الأسرة بيضاء. ما عدا النافذة التي تمتلك ضوءا فضيا خاصا، و كأنها توحي بأن الخلاص ليس بياضا، بل هو ضياء لابد أن يأتي. الممرات زرقاء و مخططة بلون أحمر و أخضر. تساءلت أي فريق رياضي في كرة القدم يمكنه أن يحمل هذه البذلة. سخرت من استسلامي لمثل هذه الأفكار المبتذلة.

ـ اسمك؟

ـ عمران بن يسوف.

ـ اسم أمك؟

ـ يامنة بنت الجبلي.

ـ السن؟

ـ لا أدري.

... استمر تسجيل المعلومات و كأنها اعتراف جديد بكينونتنا نحن التسعة. حسبت العدد الأصوات و في بعض الاستراحات مؤخّرا. تعلمتُ درس الكسر و الطرح. تأكدت من العدد في الشاحنة و في الساحة، و في غرفة الانتظار الجميلة التي جعلت لنا حنينا إلى الحياة.

جلسنا نحن التسعة في غرفة خاصة. ضمت تسع كراسي خشبية في مقابلة مكتب صغير جلس خلفه موظف ببذلته البنية الداكنة و قبعته الشبه عسكرية. بجانبه جلس شخص يبدو أنه موظف مدني أخذ يسجل محضرا لمجريات اللقاء و التعليمات و الالتزامات. و بجانب الرجل كان هناك ملف سميك يتضمن أوراق معدة للتوقيع.

ـ بسم الله الرحمن الرحيم، و الحمد لله رب العالمين. لقد جعل الله لكم حياة جديدة لابد أن تشكروا الله على نعمتها و تحمدوه على هذا الوطن العزيز الذي تطور و جعل لكم أملا في العيش بسعادة و هناء فيه. إن الوطن غفور رحيم. هكذا ستوقعون على محاضر تضمن لكم طريق الحرية و الاستفادة من محاكمة و حقوق جديدة كذلك. سيزوركم الأهل بعدها و تستطيعون القراءة و الدراسة و الرياضة.

كانت الرسالة واضحة. لقد تم الاعتراف بنا كأسرى و معتقلين. فعلا هي ولادة جديدة. أين كنا قبلها؟ في مخاض ولادة أم في موت و جحيم؟

سؤال طرحه أحدنا بين الصفوف تهكما. ابتسمنا لانتصار قدرتنا على طرح مثله تأكيدا دون حاجة إلى تكراره أمام قارئ التقرير و التعليمات. فرحنا للأمل الجديد لكن دواخلنا كانت غادرة لهذا الأمل. و كانت البداية مع ذاتي. بدأت في محاكمة نفسي قبل أن ينقلونا إلى جلسات المحاكمة الشكلية الجديدة. رغم الفرق بين المحاكمتين. كنت أرى القاضي الجالس أمامي و أن الواقف قبالته في حاجة إلى ما أنعم به إلى حدود تلك اللحظة. أمتلك وفاء و زوليخا، فماذا تمتلك أنت؟

بدتْ على محياي سخرية رافقتها ضحكة ماكرة و عفوية و أنا أسمع الحكم الصادر بدون مشورة. استغربت فقط لتفاوت العدد بيننا نحن التسعة، أهي لعبة أم استلذاذ

جديد؟ كنت المحظوظ بينهم، ليس في عدد أقل، و لكن في تطابق السابق و اللاحق. هنأني الثمانية عليه. رقم محظوظ و جميل. فعلا سيعوض لي رقم سبعة الجديد ذاك الرقم القديم. لكنني لست يوسف في حكيه و رؤياه. و رقمي لا يتبع خط زمن يوسف و قصته. ليت ملَكي الحارس عبد الله صاغ القصة بما يوازي تطور قصتي أنا عمران بن يوسف.

( يوسف أيها الصديق، أفتِنا في سبْع بقرات سِمان يأكلهن سبع عجاف و سبع سنبلات خضر و أخر يابسات، لعلي أرجع إلى الناس، لعلهم يعلمون ).

و ما فتوايَ أنا عمران بن يوسف؟

بعد مرور شهر تقريبا على إقامتنا الجديدة، و بعد مرورنا من هذه المحاكمة المعدّة مسبقا للعهد الجديد، و بعد توقيعنا على عدم ذكر سيرة العهد القديم و لا مواصفاته ـ وعدا منهم بتقليص مدة الحكم الجديدة و بالاستفادة من مزاياي مغرية و أساسية ـ، كانت بدايات تعرفّنا على المحامي الجديد الذي هيأنا لاستقبال شروط الحياة الجديدة و الذي سهر على سلامتها. و قد كنت أسأله عن حمايته كمحامي لنا، لنا أم لهم. كان يبستم و يغيّر مجرى السؤال إلى مداعبة و يجيب:

ـ ستعلم بعد مدة أنني صديقك الذي يريد لك الخير كل الخير. فلا تستعجل أمرك يا عمران.

مرت عليّ لحظات كبيرة و أنا أؤنّب نفسي على تغييب أهلي من الذاكرة. كنت أستحضر وفاء و الرفاق و أغيب صورة الأم و الأخت. ربما سياق الاعتقال ارتبط بأولئك دون هؤلاء. ربما عائلتي الصغيرة ليس لها دخل و لا ذنب فيما يقع. جعلتهم بعيدين عن الملف داخل الوعي و في الفؤاد. اللعبة لا تلاعب فيها بالأمومة رغم أن الدمع كان بسقاية حنينها وعصارة كبدها.